في صباح الإثنين الحزين، أعلن الفاتيكان رسميًا وفاة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد صراع طويل مع المرض، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر الحقب البابوية إثارة للجدل والانقسام، لكنها في الوقت ذاته كانت مليئة بالشجاعة، والإصلاح، والانحياز للمهمشين.
■ من الأرجنتين إلى الفاتيكان… سيرة كنسية غير تقليدية
وُلد خورخي ماريو برغوليو في بوينس آيرس بالأرجنتين عام 1936، لعائلة من أصول إيطالية. درس الكيمياء أولًا قبل أن يلتحق بسلك الكهنوت، لينضم لاحقًا إلى الرهبنة اليسوعية، ويشق طريقه داخل الكنيسة الكاثوليكية بهدوء وثبات.
في عام 2013، اختير ليكون أول بابا غير أوروبي منذ أكثر من 1200 عام، وأول بابا من أمريكا اللاتينية، والأول الذي يتخذ اسم “فرنسيس” تكريمًا للقديس فرنسيس الأسيزي، رمز الفقر والبساطة.
■ بابوية الإصلاح… والسير عكس التيار
منذ لحظة جلوسه على كرسي البابوية، أطلق فرنسيس مشروعًا غير مسبوق لإعادة “إنسنة” الكنيسة، متخليًا عن مظاهر البذخ، ومتبنيًا خطابًا قوامه الرحمة والعدالة الاجتماعية. انتقد الرأسمالية المتوحشة، دافع عن اللاجئين، تحدّث عن أزمة المناخ، وفتح أبواب الكنيسة أمام المهمشين والمثليين والمطلّقين، في خطوات أغضبت المحافظين، لكنها فتحت آفاقًا جديدة لحوار الكنيسة مع العالم الحديث.
ورغم ما واجهه من مقاومة داخل الفاتيكان، وموجات تشكيك في قدراته الصحية، فإن فرنسيس لم يتراجع عن خط إصلاحي راديكالي، طبع البابوية بطابع مختلف تمامًا عن أسلافه.
■ أزمة الاعتداءات الجنسية… المواجهة المتأخرة
في عهده، حاول الفاتيكان معالجة فضيحة الاعتداءات الجنسية التي هزّت الكنيسة لعقود. وعلى الرغم من الانتقادات بشأن بطء التحرك، اتخذ البابا فرنسيس خطوات غير مسبوقة، من بينها إقالة أساقفة كبار، وفتح أبواب التحقيقات، وتبني سياسات أكثر شفافية.
■ رجل دولة… وصوت عالمي للفقراء
كان فرنسيس أكثر من زعيم ديني. فقد تحوّل إلى رمز إنساني عالمي، التقى لاجئين على شواطئ المتوسط، صلّى في مساجد ومعابد، وجمع بين الأديان في مشاهد غير مسبوقة. كما دافع بقوة عن الفلسطينيين، وندد بالاحتلال، ودعا إلى العدالة في الشرق الأوسط.
أُعجب به قادة سياسيون من مختلف الأطياف، ووجد فيه المؤمنون وغير المؤمنين شخصية أخلاقية تتحدى النظام العالمي القائم على الجشع والهيمنة.
■ تهاطُل عالمي للتعازي… البابا الذي أبكى العالم
فور إعلان وفاته، انهالت التعازي من زعماء العالم. من إيمانويل ماكرون الذي وصفه بـ”صوت الضعفاء”، إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين التي اعتبرت أن تواضعه ألهم العالم، مرورًا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي قال إن وفاته تمثل “خسارة جسيمة للعالم”، ووصولًا إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي وصفه بـ”صديق مخلص للشعب الفلسطيني”.
وفيما عبّر رئيس إسرائيل إسحق هرتسوغ عن تقديره له كرجل “رحيم” ومدافع عن الحوار بين الأديان، وصفه رئيس الوزراء الهولندي بأنه “رجل الشعب”، بينما اعتبره الرئيس اللبناني “نصيرًا للبنان في محنته”.
■ إرث لا يُنسى… بابوية غيّرت وجه الكنيسة
بوفاة البابا فرنسيس، تطوي الكنيسة صفحة رجل لم يكن عاديًا، بل كان أيقونة عالمية تمشي بين الفقراء وتخاطب الكبار بلا وجل.
اتُهم أحيانًا بالتساهل، وانتُقد لشجاعته في كسر التقليد، لكنه غيّر وجه البابوية إلى الأبد، وربما أعاد للكنيسة جزءًا من روحها التي افتقدها العالم طويلًا.
■ ما التالي؟
مع إعلان الوفاة، يبدأ الفاتيكان إجراءات الحداد والانتقال البابوي، تمهيدًا لعقد المجمع المقدس (الكونكلاف) لاختيار خليفة جديد. لكن من سيخلف فرنسيس، سيجد نفسه أمام تحدٍ كبير: كيف تستمر كنيسة عمرها ألفا عام في التجدّد… بعد رحيل من وضع حجر أساس الإصلاح الحديث؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار