في زمن مشبع بالقلق، والشتات الروحي، وفوضى العالم، جاءت وفاة البابا فرنسيس في إثنين الفصح كأنها نداءٌ صامت من السماء، يحمل في طياته رمزًا لمن أراد أن يرى. وبين من ودّعوا الحبر الأعظم بكلمات باهتة، خرج صوتٌ استثنائي من قلب فيينا: الكاردينال النمساوي كريستوف شونبورن، الذي لم يكتفِ بالرثاء، بل قرأ التوقيت كعلامة لاهوتية، بلغة المؤمنين العميقة.
“في البداية كانت القيامة”.. لا النهاية
شونبورن، الذي بلغ عامه الثمانين هذا العام وتقاعد للتو من منصبه كرئيس لأساقفة فيينا، تلقّى نبأ وفاة البابا من داخل الفاتيكان صبيحة الإثنين 31 مارس، الموافق لإثنين الفصح، وقال عن أول ما دار في ذهنه:
“فكرت فوراً في عيد الفصح. يوحنا بولس الثاني توفي في نهاية أسبوع الفصح، بينما البابا فرنسيس في بدايته. في الحالتين، كانت إشارة قوية.”
لم تكن الكلمات مجاملة أو صدى لكليشيهات دينية، بل كانت تأملًا لاهوتيًا عميقًا يربط بين توقيت الموت ومعناه. فبالنسبة للمسيحي، الموت ليس “وداعًا نهائيًا”، بل “مرور إلى الحياة الحقيقية” – وهذا هو جوهر عيد الفصح، عيد القيامة، الذي اختارته السماء ليكون موعد الرحيل الأخير لأول بابا يحمل اسم “فرنسيس”.
فرنسيس… البابا الذي انتظر موته دون وجل
كان البابا الراحل يعاني منذ سنوات من مشاكل صحية متفاقمة: جراحات، صعوبات في التنفس، وتراجع في القدرة على الحركة، لكنّه لم ينسحب من الحياة، ولم يتنصّل من مسؤوليته الروحية تجاه الكنيسة والعالم.
الكاردينال شونبورن عبّر عن هذا الجانب قائلاً:
“الموت كان قريبًا منه أكثر من مرة، لكنه تقبّله بإيمان هادئ. لقد أعدّ نفسه للمغادرة، لا بانكسار، بل بثقة المؤمن.”
غياب شونبورن عن كونكلاف البابا القادم… وغياب النمسا كذلك
بقدر ما كانت تصريحاته مليئة بالإيمان، حملت أيضًا ملامح مرارة شخصية: شونبورن، الذي شارك في انتخاب اثنين من الباباوات (بيندكتوس في 2005 وفرنسيس في 2013)، لن يكون حاضرًا في الكونكلاف المقبل، بعدما تجاوز سن الثمانين. وهو ما يعني أن النمسا، للمرة الأولى منذ عقود، ستكون غائبة عن الكرسي الرسولي عند انتخاب الحبر الأعظم الجديد.
وبينما لم يُعيَّن بعد خلفه في رئاسة أبرشية فيينا، تبقى الكنيسة الكاثوليكية النمساوية في مرحلة انتقالية، بانتظار ما سيقرره خليفة فرنسيس القادم.
البابا “الفقير” يرحل كما عاش.. بهدوء الرموز
فرنسيس، الذي رفض منذ اليوم الأول للبابوية ارتداء الحذاء الأحمر التقليدي، وسكن بيت الضيافة بدل القصر البابوي، وغسل أقدام السجناء والمهاجرين في خميس الفصح، رحل بالطريقة ذاتها: دون ضجيج، دون بهرجة، بل ضمن إشارة زمنية تختصر كل لاهوت الباباوية التي جسدها – بابوية التواضع، والانحناء للناس، والرجاء بالقيامة.
كلمات شونبورن: رثاء أم رسالة؟
حين يتحدث أحد كبار الكرادلة في أوروبا بهذه اللغة الروحية الرصينة، فلن تكون مجرد لحظة عاطفية. بل ربما هي تذكير للعالم، في زمن التصحر الروحي، بأن الموت لا يغلق القصة، بل يفتحها على صفحة جديدة – إذا قرأناها بإيمان
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار
