الخميس , 26 مارس 2026

من بابا الفاتيكان المقبل؟ كواليس “العرش الأبيض” وسباق الكرادلة في الفاتيكان

بين جدران كنيسة سيستين العتيقة، وتحت سقفها المزخرف بأنفاس ميكيلانجيلو، يستعد الفاتيكان – وربما العالم الكاثوليكي بأسره – لواحد من أكثر الأحداث حساسية وغموضًا: انتخاب خليفة البابا فرنسيسكو، الذي أرهقته الأمراض وأثارت حالته الصحية الأخيرة تكهنات واسعة عن قرب انتهاء عهده.

البابا الذي بلغ من العمر 88 عامًا نُقل مؤخرًا إلى مستشفى جيميلي في روما بسبب التهاب رئوي مزدوج، ليعود إلى الواجهة سؤال ظل يتردد في أروقة الكنيسة منذ سنوات: من سيخلف الحبر الأعظم في سدة القداسة؟

■ كيف يُنتخب البابا؟

عملية اختيار البابا ليست مجرد تصويت ديمقراطي داخلي، بل طقس روحاني محكم بالغ السرية والرمزية، يُعرف باسم “الكونكلاف البابوي”.
فور إعلان خلو الكرسي الرسولي – سواء بوفاة البابا أو استقالته – تُغلق أبواب كنيسة سيستين، ويُمنع الكرادلة من التواصل مع العالم الخارجي، في مشهد يشبه العصور الوسطى، لكنه لا يزال نابضًا حتى اليوم.

فقط الكرادلة تحت سن 80 عامًا، وعددهم الآن 138 من أصل 252، يحق لهم التصويت. وتُجرى أربع جولات اقتراع يوميًا، تُنتهي بحرق أوراق التصويت، ويُطلق الدخان الأبيض من المدخنة التاريخية للإعلان عن اختيار بابا جديد إذا تم التوافق.

لكي يُنتخب أي مرشح، يجب أن ينال ثلثي الأصوات – لا أكثر ولا أقل – مما يجعل المهمة أشبه بمباراة شطرنج كنسية على مستوى رفيع من التوازنات.

■ من هم أبرز المرشحين؟

الكرادلة المرشحون للجلوس على “عرش بطرس” يختلفون من حيث التوجهات والخلفيات الجغرافية، وهو ما يعكس صراعًا مكتومًا داخل الكنيسة بين جناحين: التيار الليبرالي الذي مثله البابا فرنسيس، والمحافظون الذين لم يخفوا اعتراضهم على بعض إصلاحاته.

🔹 بييترو بارولين – الإيطالي صاحب الـ70 عامًا، وأمين سر الفاتيكان منذ 2013. يُوصف بأنه تكنوقراطي هادئ ورجل توازنات، وقادر على الإمساك بخيوط السلطة الكنسية والدبلوماسية.

🔹 لويس أنطونيو تاغل – الفلبيني ذو الكاريزما العالية، البالغ من العمر 67 عامًا، وهو الوجه الأبرز لتيار الانفتاح داخل الكنيسة. لو فاز، سيكون أول بابا آسيوي في التاريخ.

🔹 ماتيو زوبي – رئيس مجلس أساقفة إيطاليا، رجل الحوار والبعثات الدبلوماسية، من أوكرانيا إلى موسكو وواشنطن. أحد أقرب الكرادلة إلى فرنسيسكو.

🔹 رايموند ليو بورك – الكاردينال الأميركي ذو التوجه المحافظ المتشدد. يعتبره البعض “صوت المعارضة” داخل الفاتيكان، ومعركته العلنية مع البابا الحالي ما زالت تثير الجدل.

🔹 بيتر إردو – المجري المعروف بمواقفه العقائدية الصلبة، ويُعد من الأصوات المحافظة القوية داخل المؤسسة.

■ هل نشهد بابا غير أوروبي مرة أخرى؟

فرنسيسكو، الآتي من الأرجنتين، كسر تقليدًا عمره قرون عندما أصبح أول بابا من خارج أوروبا منذ العصور الوسطى. ولكن هل يتكرر المشهد؟
الكنيسة الكاثوليكية باتت تنتشر أكثر في الجنوب العالمي، من آسيا إلى أفريقيا، وازدياد عدد الكرادلة غير الأوروبيين يعكس هذا التحول، ويزيد من فرص شخص مثل تاغل أو مرشح من القارة السمراء.

■ أكثر من بابا… وأقل من إجماع

منذ سابقة استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2013، لم يعد مقعد البابوية محصنًا ضد التحولات. المرض، السن، الضغوط السياسية… كلها عوامل تُقصّر العهد البابوي، وتدفع الكنيسة للتفكير في بابا قادر على مواجهة عصر جديد، تعصف به قضايا الهجرة، الحرب، الإلحاد، وتراجع القيم الروحية.

فمن سيكون الحبر الأعظم التالي؟
هل هو دبلوماسي حذر مثل بارولين؟
أم إصلاحي جريء مثل تاغل؟
أم محافظ يقود “ثورة مضادة” داخل الكنيسة؟

ما نعرفه حتى الآن، هو أن الفاتيكان يتهيأ لما يشبه “الانتخابات المصيرية”، حيث لا تُحسم الأمور بالصناديق وحدها، بل بالصلاة… والدخان الأبيض.

■ من هو البابا فرانشيسكو: حبر أعظم من آخر الدنيا

اسمه الحقيقي خورخي ماريو برغوليو، وُلد في 17 ديسمبر 1936 في بوينس آيرس، عاصمة الأرجنتين، لعائلة من أصول إيطالية. درس الكيمياء أولاً، ثم انضم إلى الرهبنة اليسوعية وأصبح كاهناً عام 1969، وأسقفاً في تسعينيات القرن الماضي.

في 13 مارس 2013، وبعد استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر، فاجأ العالم حين اختاره مجمع الكرادلة ليصبح أول بابا من أمريكا اللاتينية، وأول يسوعي، وأول من يتخذ اسم “فرنسيس” تيمنًا بالقديس فرنسيس الأسيزي، رمز الفقر والسلام.

خلال حبريته التي استمرت لأكثر من عقد، ركّز البابا فرنسيس على قضايا الفقر، العدالة الاجتماعية، البيئة، والانفتاح تجاه الأقليات والمهمشين، وفتح نقاشات داخل الكنيسة حول قضايا شائكة مثل زواج المثليين، دور المرأة، وإمكانية السماح بزواج الكهنة.

حاول إصلاح الإدارة المالية في الفاتيكان، وزار مناطق نزاع مثل العراق، وأطلق مبادرات وساطة في أماكن عدة، لكنه في الوقت ذاته واجه انتقادات من المحافظين داخل الكنيسة، خاصة بسبب مواقفه المتقدمة على الصعيدين الاجتماعي والعقائدي.

اليوم، وبعد سنوات من الخدمة التي امتزج فيها التواضع بالكاريزما، يُنظر إليه كأحد أكثر الباباوات تأثيرًا في التاريخ الحديث، حتى وهو يودّع الكرسي الرسولي بصمت متعب وجسدٍ أنهكته السنين.

تحقق أيضًا

ترامب يعلق ضربات الطاقة الإيرانية مؤقتاً وسط تضارب التصريحات وخشية من تصعيد إقليمي

في مشهد يعكس تشابك الأزمات في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراء ما وصفه بـ«محادثات جيدة وبنّاءة للغاية» مع إيران، في خطوة مفاجئة

error: Content is protected !!