في تسجيل صوتي نادر يعود إلى أعقاب نكسة 1967، ظهر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وهو يزيح القناع عن كثير مما كان يدور خلف الكواليس العربية. بمرارة واضحة، اعترف عبدالناصر بأن الزعماء العرب لم يكونوا جادين يومًا في خوض حرب حقيقية من أجل فلسطين، بل كانوا يتاجرون بالقضية بشعارات جوفاء لشراء الوقت وحماية عروشهم.
لم يكن هذا التسريب مجرد شهادة تاريخية على فشل مرحلة مضت، بل تحوّل، مع توقيته المريب، إلى مرآة تعكس مآسي الحاضر. فالخيانات العربية للقضية الفلسطينية لم تبدأ مع عبدالناصر، ولن تنتهي مع دونالد ترامب؛ إنها خيانة ممتدة الجذور، تضرب في أعماق التاريخ السياسي العربي منذ قرون.
خيانات من زمن السلاطين إلى زمن الجنرالات
منذ بداية الغزو الصليبي للقدس في أواخر القرن الحادي عشر، كان التخاذل والتواطؤ العربي واضحَين. تحالف بعض الحكام المحليين مع الغزاة، وسلّم آخرون الحصون مقابل حفنة من الذهب أو وعد زائف بالسيادة.
وفي العهد العثماني، كانت فلسطين أرضًا مهمّشة، تُدار من إسطنبول كما تُدار أي ضاحية بعيدة، دون إحساس بالخصوصية أو بقدسية المكان.
ثم جاءت الكارثة الكبرى مع سقوط الخلافة، وبداية مشاريع سايكس-بيكو ووعد بلفور، حيث تنافس بعض الزعماء العرب سرًّا على حيازة نصيبهم من الكعكة الاستعمارية، غير مكترثين بمصير فلسطين.
عبدالناصر: اعتراف متأخر ومرارة مكبوتة
تسريب عبدالناصر مع القذافي يعيدنا إلى لحظة صدق نادرة؛ لحظة أدرك فيها عبدالناصر أن القضية التي طالما تغنى بها الجميع، لم تكن سوى ورقة للاستهلاك الإعلامي.
“لن نحارب من أجل فلسطين”، بهذه الكلمات الموجعة لخص الزعيم الراحل الحقيقة المرة: لم تكن هناك خطة للتحرير، بل مجرد صراع على الزعامة بين أنظمة تخشى أكثر ما تخشى من شعوبها.
اليوم، بعد عقود من وعود التحرير الكاذبة، نجد أنفسنا أمام نسخة مكررة من تلك الخيانات: أنظمة تتواطأ، وشعوب تدفع الثمن دمًا وحصارًا.
ترامب وخطة تصفية غزة: مؤامرة قديمة بثوب أمريكي جديد
في هذا المناخ المشحون بالتخاذل، تطفو على السطح تحركات يقودها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. تسريبات تتحدث عن خطة “نهائية” لتصفية قطاع غزة، إما بالتهجير الجماعي أو بإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للمنطقة ضمن صفقات إقليمية كبرى.
الضغوط تمارس اليوم خلف الكواليس، بنفس الطريقة التي مورست بها قبل قرن، فقط الأسماء تغيرت: من لورانس العرب إلى كوشنر، ومن وعد بلفور إلى صفقة القرن، والفلسطينيون ما زالوا يدفعون الثمن وحدهم.
العرب أمام اختبار أخير؟
قد يقول البعض إن الشعوب العربية تغيرت، وإن وعي اليوم ليس كوعي الأمس.
لكن التساؤل المؤلم يبقى: هل ستعيد الأنظمة ارتكاب خيانات الماضي بذات البرود؟ أم أن غزة، برمزيتها ومقاومتها، ستكتب هذه المرة نهاية الخيانة العربية المزمنة؟
في زمن تعيد فيه المؤامرات القديمة نفسها بأقنعة جديدة، تبقى فلسطين هي الاختبار الحقيقي: اختبار شرف، لا مكان فيه للحياد أو المساومات.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار