الإثنين , 27 أبريل 2026

ندوة حوارية – من دمشق إلى فيينا هل تستطيع سوريا النهوض من ركام الديكتاتورية

في قلب فيينا، بعيدًا عن رائحة البارود وغبار الأنقاض، اجتمع باحثون ودبلوماسيون وناشطون في الأكاديمية الدبلوماسية النمساوية لطرح سؤال مؤلم لكنه ضروري: هل هناك مكان لحقوق الإنسان في سوريا ما بعد الحرب؟ سؤال يكاد يختزل معاناة شعوب بأكملها عاشت عقودًا تحت قبضة الأنظمة القمعية، لا في سوريا فحسب، بل في معظم العالم العربي، حيث تحوّل القمع إلى نظام حكم، والعدالة إلى حلم مؤجل.

سقوط الطاغية.. وولادة الأسئلة الكبرى

جاءت الندوة في وقت مفصلي، إذ تزامنت مع نهاية مرحلة حُكم نظام الأسد بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد، ومع تصاعد التوترات في الداخل السوري خلال أواخر عام 2024، ما أعاد سوريا إلى واجهة النقاش الدولي، ليس بوصفها ساحة حرب فقط، بل كحالة اختبار عالمية لقدرة الأمم على الانتقال من الدمار إلى الدولة.

أكد المتحدثون، ومنهم خبراء في العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، أن سقوط النظام لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته. فالثورات العربية التي اندلعت بحثًا عن الكرامة والحرية غالبًا ما انتهت إما بانقلابات مضادة أو بصراعات أهلية أحرقت الأخضر واليابس، وسوريا ليست استثناءً.

بين إعادة الإعمار وإعادة إنتاج القمع

في الجلسة التي حملت عنوانًا موحيًا: “سوريا في مرحلة إعادة الإعمار – هل هناك مجال لحقوق الإنسان؟”، برزت مفارقة مؤلمة: أن الحديث عن إعادة بناء سوريا لا يكتمل دون مساءلة الماضي، ودون مواجهة منظومات التعذيب والمخابرات والفساد التي شكّلت عصب النظام القديم.

طرح فرانك هالديمان، الباحث في العدالة الانتقالية، تساؤلاً جوهريًا: كيف يمكن أن يُبنى وطن على أنقاض المقابر الجماعية دون مساءلة؟ كيف يمكن للاجئين أن يعودوا في ظل غياب ضمانات حقيقية للأمن والمحاسبة؟ ومايكل فريموث ذكّر الجميع أن أي مشروع إعادة إعمار يتجاهل حقوق الإنسان هو في حقيقته إعادة طلاء لقصر الطاغية بلونٍ جديد.

اللاجئون.. هل العودة ممكنة؟

كريستوف بينتر من المفوضية السامية للاجئين كان صريحًا في تقييمه: العودة الآمنة للاجئين لن تكون ممكنة ما لم تتغير البنية الأمنية والسياسية بشكل جذري. فمعاناة اللاجئين لم تبدأ فقط مع الحرب، بل تعود إلى عقود من القمع الذي جعل سوريا بيئة طاردة لأبنائها حتى قبل اندلاع الثورة.

أما عبد الحكيم الشاطر، أحد ممثلي الجالية السورية الحرة في النمسا، فأكد أن المعركة الحقيقية ليست فقط في إعمار البيوت، بل في هدم عقلية الدولة الأمنية وبناء ثقافة المواطنة والحرية والعدالة.

لماذا يهمنا هذا في أوروبا؟

بيتر كرويس، الدبلوماسي النمساوي السابق في دمشق، ذكّر الحضور أن مستقبل سوريا ليس شأناً محليًا فقط، بل قضية أوروبية ودولية بامتياز. فالهجرات، والإرهاب، وانعدام الاستقرار الإقليمي كلها نتائج مباشرة لأنظمة القمع العربية التي أُتيح لها أن تتغوّل لعقود دون رقيب.

الخلاصة: لا إعمار بدون عدالة

ما خرجت به هذه الندوة في فيينا أن سوريا، مثل غيرها من دول الربيع العربي، لن تنهض فقط بالبناء والإسمنت، بل بإعادة تعريف الدولة من جديد، على أسس حقوق الإنسان والمحاسبة والحرية.
وإذا لم تُغلق ملفات التعذيب والقتل والسجون السرية، فإن كل ما سيُبنى، سيكون هشًّا، ينتظر الانفجار القادم.

في عالم عربي أُغرِق في الديكتاتورية حتى كاد ينسى طعم الحرية، تبقى سوريا اليوم رمزًا لمعركة الإنسان العربي لاستعادة صوته وكرامته. فهل يكون الغد مختلفًا؟

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!