الإثنين , 27 أبريل 2026

توفير للمرضى.. وبذخ للقيمين: تناقضات التأمين الصحي النمساوي

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في وقت يضيق فيه الخناق على الخدمات الصحية المقدّمة للمواطنين، قررت قيادة الهيئة النمساوية للتأمين الصحي (ÖGK) قضاء يومين في فندق فخم بمنطقة سالزبورغ، حيث أقامت نُخبة من كبار مديريها – الذين يبلغ عددهم 250 شخصًا – ندوةً شاملة جمعت بين ورش عمل وبطولات جولف واستجمام في «واحة الرفاهية» التي يوفرها فندق Gut Brandlhof في سلفيلدن.

المفارقة تتبلور في أن هذه الخطوة جاءت في ظل عجز مالي يقدر بنحو 900 مليون يورو في ميزانية الهيئة، وبالتزامن مع سلسلة إجراءات تقشفية حادة طالت المرضى في مختلف أنحاء البلاد. إذ أعادت الهيئة فرض موافقات مسبقة على عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRT) والأشعة المقطعية (CT)، وألزمت المرضى بدفع تكاليف النقل بأنفسهم. وفي الخطوة التالية من إجراءات التقشف، تمّ تقييد صرف العلاج الطبيعي ووضع سقوف جديدة للصرف الصحي.

ميزانية عاجزة وتخفيض خدمات.. لكنها توفّر «الباص الخاص» لمديريها!

منذ تأسيسها في الأول من يناير 2020، تحرص الهيئة النمساوية للتأمين الصحي على تنظيم «كلازور» (اجتماع استراتيجي) دوري يجمع قياداتها لمراجعة الأهداف ورسم الاستراتيجيات المستقبلية. وقد أطلقت الهيئة على مؤتمراتها المتوالية في مدينة سلفيلدن أسماءً تشير إلى تسلسل اللقاءات، مثل «سلفيلدن IV» و«سلفيلدن V»، ما يعكس حرصها على استمرار هذا التقليد «السنوي».

في حين أُعلن في أروقة الهيئة عن التزامٍ بحجز أرخص العروض المتاحة، تكشّفت تفاصيل الرحلة الحقيقية عندما انتشرت صور ومسوّدات تُظهر تهيئة قاعات فاخرة، وألعابًا ترفيهية داخلية (منها ترتيب بالونات هواء وتركيبها على سيارات «بوبي كار» للأطفال)، إلى جانب ورش «بناء قصص نجاح» تحت شعارات مثل «ÖGK wir lochen alle Bälle ein» («التأمين الصحي يُدخِل الكرة في الحفرة»)، و«Mission Impossible»، و«Ballonfahrt»، و«Team up in the air»، وغيرها الكثير من العناوين التي تزدان بالصبغة الكوميدية أكثر مما تبدو أهدافًا استشارية جادة.

ولعلّ |ـ“العرض الأكبر”| كان تخصيص هيئة ÖGK نحو 500 ألف يورو لأحجية «تخفيض التكاليف» الخاصة بكلازور 2024، ما أثار استغرابًا واسعًا، ويُعطي انطباعًا بأن التكاليف التي يُفترض أن تُستهدف للتقليص تُضَخّ ذاتها في فعاليات رفاهية القيادة العليا!

«الشرح الرسمي»: موقف الهيئة وتبريراتها

عندما واجهت الهيئة النمساوية شُبهات الانفاق المفرط، برّرت الأمر بالقول إنّها «شركة وطنية تضم أكثر من 12 ألف موظف في تسع مقرات إقليمية». وأضافت في ردّها:

«تُعقَد هذه الندوات السنوية من 2.5 يوم لمعالجة الأهداف الاستراتيجية، ومن الضروري أن يلتقي جميع القيمين معًا لأننا منظمة لا تزال في طور الاندماج منذ تأسيسها عام 2020. وقد وقع اختيارنا على موقع في وسط النمسا لتخفيف أعباء التنقل على الموظفين، ولتوفير باصات تقلهم من مقراتهم تفاديًا لتجزئة طلب التعويض عن الكيلومترات».

وتابعت الهيئة:

«نحن مطالبون باستطلاع الأسعار أولًا، وقد اعتمدنا على العرض الأقل تكلفة حينها. كما أن هناك ندرة في الأماكن التي تستقبل 250 مشاركًا مع بنية تحتية تستوعب ورش العمل المتعددة».

ومع أن الهيئة أشارت إلى أنها راجعت أمكان تنفيذ المؤتمرات داخل مقراتها الإقليمية، لكنها خَلُصت إلى عدم وجود فراغات كافية وسعة مناسبة لجميع المستويات القيادية (من المستوى الأول حتى الثالث)، لذا لجأت إلى «الاستئجار الخارجي».

خاتمة: بين دراهم الدولة ودرهمك يا مريض!

على أرض الواقع تتسع هوّة التناقض بين «التخفيض في نفقات المرضى» و«التوظيف الفاخر للأموال في فعاليات ترفيهية للقيمين». ففي الوقت الذي يُحرم فيه المواطنون من فحوص ضرورية، ويُكبّدهم دفع رسوم النقل للعلاج، يقضون تقريبًا في مأساة صحية صامتة الجزيرة، حيث تنهكر عليهم الإجراءات البيروقراطية.

وفي المقابل، يسافر ما يقارب ربع الألف من كبار المديرين إلى واحة فخمة في قلب جبال سالزبورغ، يُقدّم لهم أفخر أنواع الضيافة، ويرتدون بدلات رسمية بينما يعكفون على أنشطة فيها نكهة «باقة السلامة النفسية» أكثر من شحنة «العمل الجدي».

إنها معادلة سخيفة: توفير المليمات للمرضى وتجويعهم أو تجميد خدماتهم، وتوزيع عشرات الآلاف من يورو على برامج «بناء فرق عمل» في أجواء مترفة. سؤالٌ بسيط يتردّد في سماء الرأي العام: إذا كانت الهيئة–بهذه البذخ–تسعى لتخفيض مصاريفها الإدارية، فلماذا لا تبدأ أولًا من «التكلفة الفندقية المذهلة»؟ ولمَ لا يلتقي القيمون في مقرّات إقليمية، بعيدًا عن أجواء «جولف وبالونات وبوبي كار»؟!

ربما تظل الإجابة بعيدة عن آذان المرضى الذين ينتظرون دورهم في العيادات والمستشفيات، أو يواصلون السهر على فاتورة النقل إلى أقرب مركز صحي. أمّا القيمون على «المال الصحي النمساوي» فيعودون إلى عقليات ماضية تُشبِه سقيفة زمن الخديوي عباس الأول، يرفلون في قصور النخبة، بينما يجوع الشعب ليجد «كتتابًا» حكوميًا جديدًا.

وفي الوقت الذي تستعد فيه قيادة ÖGK للقاءها القادم في 18–20 مايو 2026، لا بدّ من تذكيرها بأن التضحية الحقيقية تقاس برفع المعاناة عن المرضى لا برفع مستوى الرفاهية عن كبار الموظفين.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!