في لحظة يتعانق فيها الرماد مع الدم، ويشتبك فيها الدخان المتصاعد من غابات القدس مع صرخات الغزيين تحت الركام، خرج محمود عبّاس ليكتب فصلاً جديدًا من فصول العبث السياسي الفلسطيني. لكن هذه المرة، لم يكن خطابه عن “المفاوضات” أو “السلام”، بل عن ضرورة التدخل العاجل لإخماد حرائق في الجانب الإسرائيلي من القدس المحتلة!
لم يظهر عبّاس كرئيس لشعب تُذبح أطفاله يوميًا في غزة، ولا كزعيم يقود أمة في مواجهة استعمار دموي، بل بدا كرئيس “هيئة الدفاع المدني الإسرائيلي” بامتياز. فبينما تسيل الدماء في شوارع خانيونس، وتتهدم البيوت على رؤوس ساكنيها في دير البلح، هرع الرجل ليخاطب الاحتلال بقلق بالغ على “أرواح المدنيين والمقدسات اليهودية” المهددة بالنيران.
إنها مفارقة تكاد تلامس حدود المهزلة: سلطة فاقدة للسيادة، لا تملك أن تُدخل شاحنة دقيق إلى مخيم، تخلع عن نفسها حتى أوراق التوت الأخيرة، لتظهر كأداة طوارئ لدى المحتل. والأنكى أن هذه التصريحات لم تأتِ في فراغ سياسي، بل في خضم حرب إبادة تُرتكب ضد الشعب الفلسطيني في غزة، صمت فيها عبّاس كما يصمت المتواطئون، لا كما يصمت الحكماء.
من رام الله، حيث يسكن خلف حواجز الاحتلال وتنسيقاته الأمنية، لا يرى عبّاس ما يجري في غزة إلا كأزمة “تُحرجه”، لا كمجزرة تستوجب منه موقفًا وطنيًا حقيقيًا. لم نره يدعو إلى حماية المدنيين هناك، لم نسمع منه نداءً عاجلاً لوقف المجازر، لم نشهد عليه حتى دمعة أو موقفًا يعيد له بعضًا من شرعية مفقودة.
فكيف يمكن لرجل ينزع عن نفسه صفات القيادة، ويتطوع لإطفاء حرائق المحتل، أن يُمثّل طموح شعبه في التحرر؟ بل كيف يمكن لشخص يعتبر نيران تل أبيب أولى من دماء غزة، أن يبقى لحظة واحدة في موقع القرار الفلسطيني؟
الواقع أن محمود عبّاس لم يخذل غزة فحسب، بل خذل المعنى نفسه لفلسطين. باختياره أن يكون جزءًا من منظومة إدارة الأزمة لا من معركة التحرر، وضع نفسه خارج معادلة الشعب، في صفّ من يسحقه لا من ينقذه. وبذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يرحل عبّاس؟ بل: كم من الخراب يجب أن يُرتكب قبل أن يُقال له كفى؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار