الإثنين , 27 أبريل 2026

حظر الحجاب في النمسا.. حرية شخصية أم وصاية سياسية؟

في خطوة جديدة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاجتماعية، خرجت وزيرة الاندماج النمساوية، كلوديا بلاكولم، بتصريحات حاسمة تؤيد فرض حظر ارتداء الحجاب للفتيات دون سن الرابعة عشرة في المدارس، بما فيها المدارس الخاصة، معتبرة أن الحجاب “رمز لقمع المرأة” ويحدّ من حريتها وظهورها في المجتمع.

جاءت تصريحات الوزيرة خلال مشاركتها في برنامج “ساعة الصحافة” على قناة ORF الرسمية، بعد مرور قرابة شهرين فقط على توليها حقيبة أوروبا والاندماج والأسرة في حكومة المستشار كريستيان شتوكر. بلاكولم لم تتردد في التعبير عن موقفها المتشدد، قائلة:

“علينا أن ننظر أين تُجبر النساء على ارتداء الحجاب: في كل مكان ينتشر فيه الإسلام المتطرف.”

الوزيرة الشابة (30 عاماً) طرحت نموذجين لتطبيق الحظر، الأول يتمثل في تعديل دستوري يقرّ حظر الحجاب حتى سن 14 عاماً داخل المدارس، حتى لو تطلب الأمر الحصول على دعم المعارضة اليمينية (حزب الحرية FPÖ) أو الخضر. أما النموذج الثاني، فيركز على معالجة كل حالة على حدة، عبر تدخل خبراء نفسيين واجتماعيين، على أن تترافق هذه الإجراءات مع حزمة تدابير ضد “حراس الأخلاق” وتشجيع الفتيات على الاستقلالية والتمكين الذاتي.

بلاكولم بررت الحظر بدافع “حماية الطفولة”، وقالت إن “الفتاة ذات الثمانية أعوام لا يجب أن توضع تحت الحجاب”، مضيفة أن هناك أكثر من 12 ألف فتاة مسلمة محتملة ارتدائهن للحجاب في مدارس فيينا فقط، ما يجعل القضية برأيها “مسألة ذات أولوية قصوى”.

انتقادات حقوقية: “تمييز ديني مقنّع”

غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات لاذعة من عدد من الخبراء في القانون الدستوري وحقوق الإنسان.

الدكتور مايكل ليتنر، أستاذ القانون العام بجامعة فيينا، وصف المقترح بأنه “محاولة لتجميل التمييز الديني عبر خطاب حماية الطفل”، مضيفاً:

كما  أثار أيضاّ انتقادات خبراء قانونيين واجتماعيين، خاصة وأن المحكمة الدستورية العليا سبق أن أبطلت قانوناً مشابهاً عام 2020 بدعوى التمييز الديني وانتهاك الحريات الفردية، وهو ما دفع الحكومة الآن لمحاولة الالتفاف عليه عبر “إجراءات مصاحبة”.

في السياق ذاته، قالت المحامية الحقوقية أولريكه شتومر، المتخصصة في قضايا حرية المعتقد، إن “إعادة طرح القانون بعد إبطاله من قبل المحكمة الدستورية يظهر استخفافاً بقرارات أعلى سلطة قانونية في البلاد”. وأضافت:

“الحديث عن ‘مرافقة اجتماعية’ لا يبرر انتهاك الحريات الأساسية، فالحظر يبقى حظراً حتى لو أُرفق بابتسامة.”

“تقييد مظهر ديني دون إثبات الإكراه، لا يختلف كثيراً عن فرضه بالإجبار. الدولة لا يحق لها أن تحل محل إرادة الأسرة أو الطفل، ما لم يكن هناك خطر حقيقي على رفاه الطفل.”

مفارقة “الحرية الشخصية”

كما أن اللافت في تصريحات الوزيرة هو استخدامها المتكرر لمفهوم “حرية الفتاة”، بينما تقترح في الوقت ذاته تشريعاً يقيّد هذه الحرية عبر فرض وصاية الدولة على مظهرها الشخصي والديني.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه بلاكولم أن “المساواة تعني أن كل فتاة في النمسا يمكنها أن تحيا بحرية وثقة”، تتغافل عن أن الحرية – في جوهرها – تعني الاختيار الفردي، لا الفرض أو الحظر، خاصة حين يتعلق الأمر بالرموز الدينية التي تضمنها الدستور ضمن حريات التعبير والمعتقد.

ازدواجية المعايير: حظر الحجاب وتشجيع العسكرة؟

في سياق موازٍ، تحدثت الوزيرة عن دعمها لتسليح أوروبا ومشاركة النمسا في برامج دفاعية مثل مشروع Sky Shield، معتبرة أن ذلك لا يتعارض مع الحياد العسكري التاريخي للنمسا. كما عبّرت عن تأييدها لتوسيع الاتحاد الأوروبي باتجاه دول غرب البلقان، وخاصة الجبل الأسود.

لكن هذه المواقف تثير تساؤلاً حول الكيفية التي يفهم بها السياسيون النمساويون “الحرية”:

– فهي حريّة مشروطة حين يتعلق الأمر بمعتقدات ومظاهر المسلمين،

– ومطلقة حين تتعلق بتعزيز القوة العسكرية أو الانضمام لتحالفات أوروبية.

خلاصة:

من حق الدولة حماية الأطفال من القسر والإجبار، لكن ذلك لا يتم عبر الحظر والتجريم، بل من خلال التوعية والتعليم والحوار. حظر الحجاب بهذا الشكل لا يحمي الفتاة بقدر ما يهمّشها ويجرّدها من حقها في اتخاذ قرارات تخص جسدها وهويتها.

كما أن تجاهل التحذيرات القانونية السابقة قد يفتح باباً لطعون جديدة أمام المحكمة الدستورية، ويزيد من شعور المسلمين في النمسا بأنهم مستهدفون في خصوصيتهم الدينية.

إذا كانت النمسا تريد أن تظل نموذجاً للحريات والديمقراطية، فعليها أن تطبّق هذه المبادئ على الجميع، لا أن تستخدمها كأداة انتقائية في حربها على ثقافات بعينها.

فيينا – رمضان إسماعيل

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!