في زمن تتصاعد فيه المخاوف من صعود اليمين القومي والشعبوي في أوروبا، خرجت وزيرة الأسرة والاندماج النمساوية الجديدة، كلوديا بلاكولم، بتصريحات مثيرة للجدل تكشف – بوضوح لا لبس فيه – توجهاً فكرياً يقف على طرف نقيض من القيم التي تدّعي الدفاع عنها: التسامح، التعددية، والاندماج.
في لقاء تلفزيوني مع قناة ORF، اختارت الوزيرة أن تُحمّل “تسامحاً دينياً مفهوماً على نحو خاطئ” مسؤولية ما اعتبرته “تحديات مجتمعية”، مُلمّحة إلى الإسلام بوصفه مصدر قلق في النمسا. هذه اللغة المبطنة، المألوفة لدى تيارات اليمين الأوروبي، لا تختلف كثيراً عن التجييش السياسي الذي يربط بين الدين الإسلامي والمشكلات الاجتماعية، في تنميط مقيت لا يُفرّق بين ممارسات فردية ودين يعتنقه مئات الآلاف من المواطنين النمساويين.
خلف ستار “الهوية المسيحية اليهودية”
عندما تقول بلاكولم إن “العادات النمساوية تستند إلى الديانة المسيحية واليهودية”، فإنها ترسم بوضوح حدوداً ثقافية تقصي الآخرين، وتُحوّل حرية العقيدة إلى امتياز ثقافي مشروط. هل هذه هي الرسالة التي تريد حكومة النمسا إيصالها لمواطنيها من خلفيات مهاجرة؟ أن التعددية الدينية مقبولة طالما بقيت على الهامش، بلا رموز، وبلا مطالب، وبلا صوت؟
حظر الحجاب: حماية الطفولة أم تقييد الحرية؟
ولم تتوقف بلاكولم عند التلميحات، بل ذهبت نحو مشروع قانون جديد لحظر الحجاب على الفتيات تحت 14 سنة، بزعم حماية الطفولة. لكنها تتناسى – أو تتجاهل عمداً – أن فرض ما يجب على الطفل أن يرتديه هو، في حد ذاته، شكل من أشكال الإكراه، وأن الدولة في دولة ديمقراطية لا تملك الحق في فرض “تحرر” مفروض على أجساد الأطفال بدعوى “حمايتهم”.
لقد سبق وأن أسقطت المحكمة الدستورية قانوناً مماثلاً عام 2020، باعتباره تمييزياً، لكن الوزيرة تبحث اليوم عن ثغرات دستورية لتمريره من جديد، سواء بإعطائه صفة دستورية أو من خلال نموذج متدرج. إنها مراوغة سياسية خطرة تعيد إنتاج الفكر الإقصائي بلغة ناعمة، لكنها لا تقل تطرفاً عن الشعارات التي ترفعها بعض التيارات العنصرية.
“اللاجئون مسؤولون”: تبرئة الذات على حساب المهاجرين
وفي ملف لمّ شمل أسر اللاجئين، تُصرّ الوزيرة على تحميل المسؤولية للاجئين أنفسهم، قائلة إنهم هم من “اختاروا عبور دول آمنة للوصول إلى النمسا”. هذا المنطق البارد يتجاهل عمق المآسي التي تدفع الناس لعبور آلاف الكيلومترات هرباً من الحرب والفقر والاضطهاد. لكن ما يهم بلاكولم ليس الإنسان، بل “النظام” الذي “يعاني من ضغط متزايد”، وكأن البشر أرقام في معادلة اقتصادية.
نقد بلا رؤية واتحاد بلا شعب
المفارقة الساخرة أن وزيرة “شؤون أوروبا” نفسها تعترف بضعف تأييد النمساويين للاتحاد الأوروبي، دون أن تقدّم تفسيراً، مكتفية بالقول: “ما زالت هناك جسور علينا بناؤها”. لعل الوزيرة لا تدرك أن هذه الجسور لن تُبنى بمزيد من البيروقراطية، ولا بخطابات الخوف، بل بالاحتواء الحقيقي لكل مواطن – مهما كانت ديانته أو خلفيته.
كلمة أخيرة
تأتي تصريحات بلاكولم كجزء من نزعة متزايدة لدى بعض السياسيين لتحويل الدين إلى فزّاعة انتخابية، والمسلمين إلى “الآخر” المُهدِّد، واللاجئين إلى “عبء على النظام”. إنها وصفة مضمونة للنجاح الانتخابي، لكنها سامة للنسيج المجتمعي، ومدمرة لكل قيم الاندماج.
إذا كانت هذه هي “بداية جديدة” للحكومة النمساوية، فإنها بداية محفوفة بالتمييز، و”تسامح” لا يرى الآخر إلا إذا خلع هويته على باب الفصل الدراسي.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار