الإثنين , 27 أبريل 2026

فيينا تحت رحمة القُصّر – شقيقان مراهقان يرتكبان أكثر من 2,200 جريمة خلال عام

في قلب العاصمة الأوروبية المتحضرة، حيث تعزف النمسا سمفونية القانون والنظام، يظهر لنا واقع آخر أكثر قسوة من أن يُحتمل، وأشد صدمة من أن يُصدّق: شقيقان مراهقان، من أصول صربية، يسطّران وحدهما سجلًا إجراميًا يضاهي ما يرتكبه عصابات محترفة، بأكثر من 2,200 جريمة خلال عام واحد فقط.

ليست هذه حبكة لمسلسل جريمة على “نتفليكس”، بل وقائع موثقة نشرتها مجلة Profil النمساوية، كاشفة عن أزمة مزدوجة: فشل الدولة في حماية المجتمع، وعجزها في الوقت ذاته عن إنقاذ جيل كامل من الانهيار الأخلاقي والنفسي.

من الرعاية إلى الجريمة: طريق سالك بلا إشارات توقف

صموئيل (16 عامًا) وسيلفيو (14 عامًا)، وُلدا في فيينا، ويفترض أنهما مندمجان في المجتمع كما تحب النمسا أن تُردد في خطاباتها الرسمية، لكن خلف الشعارات الوردية، تَكشِف الملفات الجنائية، ومراكز الرعاية، ومقاطع TikTok المتباهية بالسرقات، عن مأساة حقيقية: طفولة محطمة، رعاية منهارة، وانعدام شبه كامل للمساءلة.

الأخ الأصغر سيلفيو، قاد سيارتين خلال ثلاثة أيام – سرقهما بالطبع – وانتهت كلتا المغامرتين بحوادث تحطم مروعة، وكأننا أمام فيلم “Fast & Furious” بنسخة مراهقين، لا يخافون، ولا يشعرون بأي ذنب، بل يرفعون تحايا وطنية ويصنعون من الجريمة مادة ترفيهية.

دولة في مأزق: هل فشلت منظومة العدالة التربوية؟

الأرقام وحدها تصرخ: 12,049 جريمة ارتكبها أطفال بين 10 و14 عامًا في عام واحد، و28% من البلاغات ضد “مخربي النظام” تعود إلى ثلاثة فقط! هل نحن بصدد “أبطال خارقين” للشر، أم أمام انهيار شامل لمفهوم التربية والمسؤولية في دولة تُصِر على تغليف الواقع بالبروتوكولات بدل الاعتراف بالحقيقة؟

الأسوأ أن هؤلاء القُصّر لا يشعرون بأي خوف من القانون، لأن القانون ذاته لا يرى فيهم “مجرمين” بل “ضحايا”، وكأن المجتمع رهينة لمعادلة معكوسة: الجاني محمي لأنه طفل، والمواطن العادي عليه أن يتحمل الخوف والفوضى اليومية لأن الدولة تخشى أن تُتّهم بعدم احترام الطفولة!

بين المطالبات بالعقاب وصراخ الحقوقيين

وزير الداخلية، غيرهارد كارنر، لم يتردد في اقتراح احتجاز هؤلاء القُصّر في منشآت تشبه السجون، فيما أعيد فتح النقاش حول خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 12 عامًا. مطالب قد تبدو صادمة، لكنها لا تقل قسوة عن الواقع نفسه.
فهل ننتظر أن يتحول هؤلاء إلى “نسخة ناضجة” من الإجرام قبل أن نتحرك؟
وهل سنبقى أسرى نقاشات نظرية، بينما يتحول TikTok إلى منصة لتجنيد المراهقين وترويج الجريمة على أنها “ترند”؟

الحل ليس في العقاب وحده.. بل في المصارحة

نعم، يجب أن يكون هناك حسم قانوني، لكن أيضًا هناك فشل اجتماعي ذريع في احتواء هؤلاء الأطفال، وفشل أسري، ومؤسسات رعاية باتت أشبه بمحطات انتظار للإجرام. لا يكفي أن نغضب من الأرقام، بل يجب أن نُعيد النظر في فلسفة الدولة تجاه التربية، الاندماج، والمسؤولية.

فهل تملك النمسا الشجاعة الكافية للاعتراف بأن سياساتها في ملف الأحداث باتت عبئًا على أمنها؟
وهل نمتلك نحن، كمجتمع، الشجاعة لقول الحقيقة بدل البكاء على أنقاض الطفولة بعد أن تتحول إلى كارثة أمنية؟

ختامًا:
ليست الجرائم التي ارتكبها صموئيل وسيلفيو مجرّد أرقام، بل مرآة مشروخة تعكس عمق الأزمة البنيوية في مؤسسات الدولة. وإذا لم تتحرك النمسا الآن، فقد يصبح مستقبلها مرهونًا بجيل يتقن الجريمة أكثر مما يتقن المدرسة، ويعرف السجن أكثر مما يعرف الأسرة.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!