في زمن تتوارى فيه الحقائق خلف الفلاتر، وتُغسَل الجرائم بوميض الكاميرات، تتفنن الأنظمة القمعية في إعادة صياغة صورتها أمام العالم. والإمارات، بما تمتلكه من ثروات هائلة ونفوذ إقليمي، لم تعد بحاجة إلى دبابة في الشارع أو سجن في الصحراء لتقمع، بل إلى محتوى مصقول، ومؤثر يبتسم، و”أكاديمية” تُدرّب على فنّ التجميل بدل قول الحقيقة.
“أكاديمية المؤثرين” التي أطلقتها أبوظبي ليست مشروعًا تدريبيًا بريئًا في صناعة المحتوى، بل واجهة ناعمة لماكينة دعائية ضخمة، هدفها طمس الصورة القاتمة التي تلاحق سجل الدولة في حقوق الإنسان، ودورها المريب في الحروب بالوكالة، ودعم الميليشيات المتورطة في جرائم ضد الإنسانية من ليبيا إلى اليمن والسودان.
الصفقة واضحة: إقامة فاخرة، راتب شهري، تذاكر، تدريب على إنتاج محتوى… والمقابل؟ الصمت.
صمتٌ مطلق عن السجون السرية التي امتلأت بأصوات لم تعد تُسمع، عن الناشطين الذين غابوا قسرًا دون محاكمة، عن تغذية آلة الحرب في السودان عبر دعم ميليشيات الدعم السريع التي ارتكبت مجازر تطهير عرقي، عن اختطاف الربيع العربي وتمويل الثورات المضادة في أكثر من بلد.
هؤلاء “المؤثرون” لا يُراد لهم أن يُضيئوا على المآسي، بل أن يُطفئوا أنوار الحقيقة. يُطلب منهم فقط أن يصوروا كوب قهوة بجانب برج خليفة، أو يركبوا جملًا في الصحراء، أو يتحدثوا عن “فرص الرفاه” في دبي.
أما الضحايا، فلا مكان لهم في هذه الرواية. لا لقطات للمدافعين عن الحقوق، لا توثيق للتعذيب، لا سؤال عن الصحفيين المغيبين.
فالإمارات أدركت مبكرًا أن معركة النفوذ في القرن الواحد والعشرين لا تُحسم فقط عبر الجيوش، بل عبر “السرديات”. وأن الصورة أقوى من الرصاصة حين تُستخدم بذكاء. فأسّست منصات، ومولت حملات، واشترت ذممًا إعلامية من الشرق والغرب، حتى غدت واحدة من أبرز الدول التي تمارس “غسيل السمعة” على نطاق عالمي.
وما يُحزن أن كثيرًا من المؤثرين العرب يشاركون في هذا التجميل، عن قصد أو جهل. يلتقطون صورًا لأنفسهم في فنادق فارهة، دون أن يتساءلوا عمن بُنيت هذه الأبراج فوق صرخاتهم، ومن اختفى ليبقى المشهد نظيفًا ولامعًا.
حتى شخصيات مثل أمجد طه، لا يمكن قراءتها إلا كنتاج لهذا التزاوج المروع بين السلطة والدعاية، بين المال والتضليل. ليس صحفيًا، ولا باحثًا، بل مجرد “بوق عصري” يرتدي بدلة أنيقة ويتقن اللعب على أوتار الجماهير.
لقد أصبحت حرية التعبير سلعة، والحقيقة مادة قابلة للفلترة، وأكاديمية المؤثرين ليست سوى مصنع لإنتاج روايات مُعقمة، بلا ألم ولا أسئلة.
ولكن الحقيقة لا تُدفن إلى الأبد، ومهما لمع السطح، فإن أصوات الضحايا ستظل تطرق الجدران، وستفضح الواجهة مهما كانت براقة.
https://youtu.be/2cE_hciBsIk
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار