مَن قتل شيرين أبو عاقلة؟ ولماذا بقيت العدالة غائبة حتى انفجرت في جنين؟
قبل أن تسقط شيرين أبو عاقلة برصاصة في الرأس، كانت تسير كما اعتادت دائمًا: بخوذة الصحافة، ودرع الحقيقة، وصوت فلسطين. كان صباحًا عاديًا في جنين، لكن الرصاصة التي اخترقت خوذتها لم تكن عادية، ولا عشوائية. كانت رصاصة من قنّاص محترف، يعرف من هي، ويرى بوضوح اسم “Press” يعلو صدرها. رصاصة أطلقت في صمت، لكن دوّت في أرجاء العالم، وأشعلت غضبًا ما زال يتردد صداه.
اليوم، وبعد أكثر من عامين على تلك الجريمة التي حاولت إسرائيل تمييعها، جاءت العدالة – ولكن من مكان غير متوقع: من تحت التراب، حيث زرعت المقاومة عبوة ناسفة أنهت حياة القنّاص نفسه، ألون سكاجيو، قائد وحدة القنّاصة في جيش الاحتلال، والذي ثبت – وفق تحقيق استقصائي حديث – أنه هو من ضغط الزناد وقتل شيرين عمدًا.
القاتل: ألون سكاجيو.. بدم بارد
التحقيق الذي نشرته منصة “Zeteo” الاستقصائية كشف أخيرًا الاسم الذي ظلت إسرائيل تخفيه. ألون سكاجيو، قائد وحدة القناصة، لم يكن في موقع اشتباك، ولا في حالة دفاع. كان في وضعية تامة للقتل، رصد الهدف، ثبّت المدى، وضغط الزناد. القتل لم يكن خطأً – كما ادعت إسرائيل مرارًا – بل كان قرارًا عسكريًا وسياسيًا بضرب الصحافة الفلسطينية في مقتل، حرفيًا.
التحقيق أوضح أن سكاجيو تمركز قرب مخيم جنين في موقع مرتفع، واختار زاوية الرؤية بعناية. لم يكن هنالك أي مسلحين قرب شيرين، ولا إطلاق نار في محيطها. فقط شيرين، وصوتها، وكاميرا كانت توثق ما لا تريد إسرائيل أن يُوثّق.
رواية “النيران غير المقصودة”: كذبة سياسية
رغم أن الأدلة كانت دامغة – من شهادات الصحفيين، والتقارير الحقوقية، ومقاطع الفيديو – تمسّكت إسرائيل بروايتها المختلقة: “نيران غير مقصودة”، ثم “احتمال إصابة من جهة فلسطينية”، ثم عادت لتقول إن هناك “احتمالاً كبيرًا” بأن القتل جاء من جندي إسرائيلي، لكن “عن غير قصد”.
الولايات المتحدة، كما العادة، لعبت دور الحامي للمجرم. منعت تحقيقًا دوليًا، ورفضت الضغط على إسرائيل لتسليم القاتل أو محاكمته. هكذا، أُغلقت القضية سياسيًا، وتُركت جثة شيرين وحدها في مواجهة نظام الإفلات من العقاب.
العدالة تأتي من جنين
في يونيو 2024، أعلنت فصائل المقاومة عن تنفيذ عملية نوعية في جنين، استهدفت قائد وحدة القنّاصة الإسرائيلي ألون سكاجيو، بزرع عبوة ناسفة في المكان نفسه الذي قُتلت فيه شيرين. مات سكاجيو في الكمين، وقالت الفصائل إن العملية جاءت “انتقامًا لشيرين”، وإن دمها “لن يُنسى”.
هكذا، جاءت العدالة من الميدان، حين قررت المقاومة أن تكتب الفصل الأخير بالدم، بعدما صمت القانون. ربما لا يعوّض الموت موتًا، ولا تُشفى جراح الحقيقة بالمتفجرات، لكن الرسالة كانت واضحة: القاتل لن يبقى آمنًا.
لماذا بقيت العدالة غائبة؟
لماذا لم يتحرك المجتمع الدولي رغم أن الضحية كانت صحفية معروفة، وتحمل الجنسية الأمريكية، وتعمل لقناة عالمية؟ الجواب ببساطة: لأن القاتل إسرائيلي، والداعم أمريكي، والمقتول فلسطيني. هذه هي معادلة الظلم في القرن الحادي والعشرين.
منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” و”لجنة حماية الصحفيين” أصدرت تقارير تؤكد أن الجريمة متعمدة، وتطالب بتحقيق مستقل، لكن بلا جدوى. مجلس الأمن صمت، والبيت الأبيض أصدر بيانًا “قلقًا”، ولم تتجاوز القصة عتبة الإدانات الشكلية.
العدالة المؤجلة.. والغضب المتراكم
شيرين ليست الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة. أكثر من 50 صحفيًا فلسطينيًا قُتلوا برصاص الاحتلال خلال العقدين الماضيين، دون أن يُحاسب أحد. إسرائيل تتقن القتل، وتتقن التهرب من المسؤولية، وتتقن الاستفادة من صمت العالم، وتواطؤ الإعلام الغربي الذي غطّى على الجريمة أو تجاهلها.
لكن هناك من لم ينسَ. هناك شارع فلسطيني يحمل اسم شيرين، وأمهات تسمّي بناتهنّ باسمها، وهناك مقاومون حفظوا وجع الرصاصة، وقرّروا أن يردّوا على طريقتهم.
ما بعد سكاجيو: هل فُتح الباب؟
اغتيال سكاجيو يعيد فتح ملف شيرين من زاوية جديدة: زاوية الثأر الشعبي حين يغيب القانون، وزاوية كشف الأكاذيب الرسمية التي حاولت طمس الحقيقة. كما أنه يفتح سؤالًا أكبر: متى ستُحاسب إسرائيل على جرائمها؟ وهل يمكن إعادة فتح تحقيق دولي بعد هذا التطور؟
أصوات فلسطينية ودولية بدأت تطالب بذلك، وتؤكد أن كشف اسم القاتل، واغتياله، دليل قاطع على تعمّد الجريمة، ويستوجب إعادة النظر في كل ما أُغلق سابقًا.
الخاتمة:
العدالة التي لم تأتِ من مجلس الأمن، ولا من لجان التحقيق، جاءت من عبوةٍ خبأها الغضب تحت تراب جنين. شيرين أبو عاقلة ماتت لتقول الحقيقة، واليوم، تُبعث من جديد كرمز لصحافة لا تُرهبها البنادق، وذاكرة لا تموت.
الدم لا يُنسى.. والرصاص لا يُمحى.. والعدالة قد تتأخر، لكنها – في فلسطين – لا تموت.
https://twitter.com/i/status/1920490647275868230
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار