وصية إنسانية تهزّ الضمير العالمي: “البابا موبيل” تتحول لعلاج أطفال قطاع تحت القصف وتغضب إسرائيل
في زمن تتكاثر فيه الأصوات العالية وتغيب الرحمة، خطّ البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الراحل، سطره الأخير في كتاب الإنسانية، بوصية لم تحمل لقبًا دينيًا أو نداءً عقائديًا، بل رسالة خالصة للوجدان الإنساني: “حوّلوا سيارتي إلى عيادة متنقلة لعلاج أطفال غزة”.
بهذه العبارة البسيطة والمزلزلة في آن، قدّم بابا الفقراء، كما يحلو للعالم أن يصفه، آخر ما تبقّى من رمزيته الشخصية ليبقى في خدمة من لا يملكون شيئًا… حتى الصحة.
حين تتحول الرمزية إلى حياة
السيارة المعروفة بـ “البابا موبيل”، والتي استخدمها البابا فرنسيس خلال زيارته التاريخية إلى مدينة بيت لحم عام 2014، لم تكن مجرد وسيلة تنقل، بل أصبحت رمزًا لحضوره الأبوي وسط الشعوب المقهورة. واليوم، بعد وفاته في 21 أبريل 2025، تتحول هذه المركبة إلى عيادة طبية متجولة، تحمل معدات وأدوية، وتسير وسط ركام غزة لتداوي الجراح الصغيرة التي خلّفها الكبار.
“لم أنس أطفال غزة”.. وصية تسبق الضمير العالمي
الوصية نُشرت من قبل موقع “أخبار الفاتيكان”، وأكدت أن تجهيز المركبة سيكون شاملاً، لتحوي أدوات فحص وتشخيص، معدات لتقطيب الجروح، اختبارات عدوى، لقاحات، وإمدادات غذائية وطبية عاجلة، مع تدعيم السيارة بطبقة بلاستيكية واقية من الشظايا.
وفي بيان صادر عن منظمة “كاريتاس” الشريكة في تنفيذ الوصية، قال بيتر برونه:
“هذه المركبة ستتيح لنا الوصول إلى أطفال لا تتوافر لهم الرعاية الصحية حالياً. أطفال مصابون ويعانون من سوء التغذية.. إنها تدخل ملموس لإنقاذ الحياة”.
وأضاف:
“إنها رسالة مفادها أن العالم لم ينسَ أطفال غزة، ودعوة مفتوحة أن يتذكرهم الآخرون أيضاً”.
البابا الذي لم يبتعد عن آلام العالم
البابا فرنسيس، أول بابا غير أوروبي منذ أكثر من ألف عام، وُصف منذ بداية حبريته عام 2013 بأنه “بابا الهامش والمهمّشين”. لم يخفِ انحيازه للفقراء، ولا تردده في كسر البروتوكولات لصالح الإنسانية.
من تقبيل أقدام اللاجئين، إلى زيارته لمخيمات النازحين، ومن دفاعه عن مسلمي الروهينغا، إلى بكائه على ضحايا الحرب في سوريا، ظلّ صوت فرنسيس صوت الضمير العالمي الذي لا يخضع للانحيازات الجغرافية أو السياسية.
واليوم، بعد رحيله، يعود صوته أكثر وضوحًا من خلال وصيته، التي لم تذهب لكتابة التاريخ، بل لإنقاذ منسيين تحت الركام.
غزة… جرح نازف يحتاج أكثر من التنديد
بينما يتبادل قادة العالم عبارات القلق والتصريحات الدبلوماسية، كان البابا، في آخر أيامه، يكتب سطرًا فعليًا في كتاب الحياة: سيارة واحدة، لكنها تصل حيث لا تصل الدول، وتُداوي حيث تُغلق المعابر، وتُربّت على أرواح صغيرة فقدت آباءها، وأطرافها، وربما قدرتها على اللعب.
الوصول الإنساني إلى غزة لا يزال عائقًا كبيرًا، لكن وصية البابا تفتح الباب أمام مبادرات جديدة، وتضع المؤسسات الدولية أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها.
“البابا موبيل”.. موكب جديد تحت القصف
لن تسير العربة اليوم وسط الجموع لتهتف “Viva il Papa”، بل وسط ركام البيوت والمدارس في غزة، حيث لا جمهور ولا صلوات، بل فقط أطفال ينتظرون أن تُمسك يد أحدهم بيدهم… ولو للحظات.
في رمزية هذا التحول، يقول الكثير من المراقبين، يكمن جوهر الرسالة البابوية: أن يكون الدين في خدمة الإنسان، لا السلطة. وأن تكون الرمزية في خدمة الحياة، لا الاستعراض.
الخاتمة:
رحل البابا فرنسيس جسدًا، لكنه ترك عهده في طريق يليق بقدّيس يحمل همّ الأرض لا العرش.
سيارة واحدة، لكنها تحمل ما لا تحمله الجيوش: إنسانية.
وصية واحدة، لكنها تهز الضمير العالمي أكثر من ألف خطاب سياسي.
سلام لروحك، أيها البابا الذي لم ينسَ غزة، حتى في لحظة وداعه الأخير.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار