في بلدٍ يُحاسب فيه الفقير على رغيف الخبز، ويُطارد التاجر على فواتير البيع، لا يُعقل أن تُحاط الإمبراطوريات الاقتصادية بالسرية وتحاط بالامتيازات الحصرية، لمجرد أن شعارها “نسر” لا “علامة تجارية”. هذا ما أشار إليه – وإن بمرارةٍ وسخرية – رجل الأعمال نجيب ساويرس في تصريحاته الأخيرة التي هزّت الأوساط السياسية والإعلامية في مصر.
في لحظة نادرة من الجرأة، فتح ساويرس النار على “الجيش الاقتصادي”، مطالبًا بإعادة المؤسسة العسكرية إلى مهمتها الأساسية: حماية الوطن لا بيع الجمبري والبسكويت. سخر من تحول الجيش إلى مقاول عام، يقتحم السوق بكل ثقله، محصنًا بإعفاءات لا يتمتع بها أي فاعل اقتصادي آخر: لا جمارك، لا ضرائب، لا رقابة، بل وعمالة مجانية.
الي هواة الصيد في المياه العكرة من تنظيم الاخوان البغيض و الي الاستاذ الذي امضي حياته بأمتياز في التطبيل و التعريض و مازال مستمرا رغم ان الشعب قرف منه و عرف حقيقته ….
اعلمكم ان حديثي الأخير جاء لمحبتي و تقديري و حرصي علي جيش مصر العظيم و رغبتي ان يكون في صدارة جيوش العالم.— Naguib Sawiris (@NaguibSawiris) May 10, 2025
الجيش.. لاعب لا يُحاسب
منذ سنوات، توسّع الجيش في تنفيذ المشروعات المدنية، من الكبارى إلى محطات الوقود، ومن تعبئة المياه المعدنية إلى إنتاج المكرونة. لكن ما لا يُقال كثيرًا هو أن هذه الأنشطة تتم خارج منظومة الشفافية والمحاسبة، وبدون منافسة حقيقية مع القطاع الخاص الذي يُكبل بعشرات القيود والضرائب.
تصريحات ساويرس ليست الأولى التي تلمّح إلى هذه الفجوة، لكنها الأكثر وضوحًا من شخص في موقعه، وهو ما يفسر الهجوم العنيف الذي شنّته أبواق النظام ضده، وعلى رأسها الإعلامي الموالي محمد الباز، الذي سارع إلى تقديم بلاغ رسمي إلى النيابة العسكرية، يتهم فيه ساويرس بـ”إهانة الجيش”، وكأن مجرد الرأي بات تهديدًا للأمن القومي.
هل يدفع ساويرس الثمن؟
في بلدٍ لم يعد فيه مجال لـ”التنوع في الرأي”، تبدو تصريحات ساويرس وكأنها تسير فوق حقل ألغام. فالمساس بالجيش لم يعد فقط “خطًا أحمر”، بل صار بوابة لمحاكمات عسكرية محتملة، حتى وإن كانت المطالبات في إطار الإصلاح الاقتصادي لا التحريض أو التشويه.
لكن الأزمة التي فجّرها ساويرس تكشف أزمة أعمق: احتكار الدولة – عبر ذراعها العسكرية – للاقتصاد، مع غياب قواعد اللعب النظيف. في ظل هذه الهيمنة، يصبح رجال الأعمال “ضيوفًا مشروطين” على مائدة الاستثمار، لا شركاء حقيقيين في التنمية.
جيش لا ينافس.. بل يبتلع
المقارنة التي عقدها ساويرس بين الجيش المصري والتركي لم تكن عابرة. ففي حين يُنتج الجيش التركي طائرات مسيرة ومدرعات ويصدرها عالميًا، ينهمك نظيره المصري في التوسع بمنتجات استهلاكية لا تدخل ضمن المهام العسكرية. المفارقة أن الجيش، رغم دخوله السوق بقوة، لا يخضع لقوانينها.
الاقتصاد لا يُدار بالبزّة العسكرية
ربما ينجح النظام في احتواء أزمة ساويرس كما فعل مع غيره. وربما يُمنع من الظهور الإعلامي مؤقتًا، أو تُرسم له “حدود جديدة” لا ينبغي تجاوزها. لكن ما لن يُمحى بسهولة هو هذا السؤال الجوهري الذي زرعته كلماته في الأذهان:
كيف يمكن لاقتصاد أن يتعافى في ظل منافسة غير متكافئة؟
في نهاية المطاف، لن تُبنى مصر بـ”تحية عسكرية” للمستثمر، بل بإصلاح حقيقي يعيد الجيش إلى ثكناته، ويحرر السوق من احتكار القوة.
هجوم منظم.. الإعلام الرسمي يُشهر سيفه
ما إن خرجت تصريحات نجيب ساويرس إلى العلن، حتى تحركت أبواق النظام بشراسة. قاد الحملة الإعلامي محمد الباز، أحد أبرز الوجوه المقربة من السلطة، متهمًا ساويرس بـ”إهانة القوات المسلحة”، وطالب بمحاكمته أمام القضاء العسكري.
وانضم إليه عدد من الإعلاميين المحسوبين على النظام، من بينهم نشأت الديهي وأحمد موسى، الذين وصفوا تصريحات ساويرس بأنها “غير مسؤولة” و”تحمل إساءة مباشرة لمؤسسة وطنية”، داعين إلى “محاسبته ووضع حد لتطاوله”، في لهجة أقرب إلى التحريض منها إلى النقد.
اللافت أن الهجوم الإعلامي لم يقتصر على انتقاد رأي رجل أعمال، بل بدا وكأنه رسالة تهديد موجهة لكل من يفكر في كسر الصمت حول نفوذ الجيش الاقتصادي.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار