في زحام النفاق الدولي، وبين ركام الخرطوم وجثث أطفال دارفور، يبرز دور دولة الإمارات بوصفها أحد أخطر اللاعبين في تمويل الفوضى وتغذية الحروب بالوكالة، بعيدًا عن أضواء المؤتمرات وشاشات التطبيع. فالمال الذي يُضخ في عواصم القرار العالمي على هيئة استثمارات، يُضخ في الخرطوم ونيالا على هيئة قنابل وصواريخ ومدافع ميدانية.
تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية كشف ما كان يُهمس به همسًا في الكواليس: أبوظبي سلّحت ميليشيا الدعم السريع بأسلحة صينية فتاكة لم تُستخدم في أي ساحة قتال من قبل، وكأن السودان تحوّل إلى حقل تجارب لنزوات طغاة الخليج. القنابل الموجهة والمدافع المتقدمة من طراز “GP6″ و”AH-4” شقّت طريقها من الموانئ الصينية إلى مخازن الإمارات، ثم إلى أيادي حميدتي، في خرق فجّ للحظر الأممي على تسليح السودان.
ووفقًا لما جاء في بيان رسمي للمنظمة، فإن “استخدام هذه الأسلحة وسط مناطق مدنية مأهولة يشكل جريمة حرب محتملة ويعكس استهتارًا مروعًا بأرواح المدنيين”.
أما هيومن رايتس ووتش، فقد قالت على لسان باحثها في شؤون شرق إفريقيا، محمد نور، إن “الدور الإماراتي في السودان لم يعد مجرد اتهام سياسي، بل بات قائمًا على أدلة ميدانية وتحقيقات توثق تورطًا مباشرًا في تأجيج الصراع ودعم طرف ارتكب انتهاكات جسيمة”.
الطائرات المسيّرة التي ضربت بورتسودان جاءت كرسالة واضحة: من لا يخضع لمعادلة الإمارات، سيدفع الثمن بالنار والدمار. وفي المناطق التي كانت هادئة نسبيًا، تسببت هذه الضربات في موجة نزوح جديدة وانهيار للخدمات الصحية والغذائية، وفقًا لتقارير صادرة عن منظمة أطباء بلا حدود.
الخرطوم، وبعد طول صبر، قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بأنها “دولة عدوان”. لكن الرد الإماراتي جاء كما هو متوقع: تجاهل متعجرف وسخرية ديبلوماسية، وكأن دماء السودانيين لا تساوي شيئًا في حسابات القصور الزجاجية.
ما الذي تريده الإمارات من السودان؟
ليس سرًا أن الذهب السوداني يمرّ عبر قنوات غير رسمية إلى دبي، وأن شركات مرتبطة بأجهزة أمنية إماراتية تتورط في عمليات تهريب منهجية، تحت غطاء “التنمية”. وما السلاح إلا غطاء موازٍ، يضمن السيطرة على الأرض ومن عليها.
فهل يريد حكام أبوظبي نسخة سودانية من الكارثة السورية؟ نسخة يكتبها المال، ويخرجها السلاح، ويصمت عنها الإعلام؟
إن العالم اليوم لا يفتقر إلى تقارير حقوقية، بل إلى إرادة سياسية توقف الكارثة قبل أن تتحول دارفور إلى حلب، وبورتسودان إلى عدن جديدة.
وفي كلمة لـمديرة قسم إفريقيا في منظمة العفو الدولية، هانا فوستر، قالت:
“صمت المجتمع الدولي عن جرائم الحلفاء الأثرياء في الخليج هو خيانة موصوفة لكل قيم العدالة. السودان ليس ساحة اختبار لجشعهم، بل وطن يُقتل أمام أعيننا”.
في النهاية، يبقى سؤال أخلاقي عالق في حلوق الجميع:
إلى متى يُترك الدم العربي سلعة في سوق المصالح الخليجية؟
وللإمارات نقول: التنمية لا تُبنى على جماجم، والسلام لا يُصنع بالقنابل.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار