الإثنين , 27 أبريل 2026

النمسا – الذكرى الـ 80 لمعتقل ماوتهاوزن جحيم النازية الذي صار منارة للذاكرة الأوروبية

في موقع صخري يطلّ على نهر الدانوب في شمال النمسا، يقف معسكر ماوتهاوزن شاهداً مهيباً على واحدة من أبشع جرائم الإنسانية في القرن العشرين. هناك، حيث لا تزال “سلالم الموت” تحتفظ بصدى أنين آلاف الضحايا، أحيا العالم هذا الأسبوع الذكرى الثمانين لتحرير المعسكر، في مراسمٍ جمعت رموزاً من شتى الدول، أبرزهم الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا من إسبانيا، تأكيداً على التزام أوروبا الدائم بعدم نسيان الماضي.

من محجر حجارة إلى محرقة بشرية

أنشأ النظام النازي معسكر ماوتهاوزن في عام 1938، بعد وقتٍ قصير من ضم النمسا إلى ألمانيا النازية، واختير موقعه قرب محجر للحجارة، حيث استُخدم آلاف السجناء للعمل القسري في ظروف بالغة القسوة. وكان من بين الضحايا يهود، معارضون سياسيون، أسرى حرب، ومواطنون من عشرات الدول الأوروبية، جُمعت أجسادهم المنهكة في ما وصفه المؤرخون لاحقًا بأنه “واحد من أسوأ معسكرات الموت خارج بولندا”.

وبحلول عام 1945، تجاوز عدد ضحايا المعسكر ومراكزه الفرعية 190 ألف إنسان، قضى كثير منهم تحت وطأة الجوع والتعذيب والعمالة القسرية، بينما سقط آخرون على “سلالم الموت”، حيث أُجبروا على حمل كتل حجرية ضخمة وهم يصعدون 186 درجة قاتلة.

قَسَم ماوتهاوزن: لا للكره، لا للنسيان

في السادس عشر من مايو 1945، وبعد أسبوع من تحرير المعسكر على يد القوات الأمريكية، وقف السجناء المحررون ليتعهدوا، بـ16 لغة، بعدم نسيان ما جرى. هذا التعهد عُرف لاحقاً باسم “قسم ماوتهاوزن”، وصار رمزاً أوروبياً لمقاومة الكراهية والتطرّف، يتردّد صداه في كل احتفال سنوي يُنظم بالموقع.

اليوم، وبعد ثمانية عقود، لا يزال القسم يُتلى في حضور شخصيات دولية وشباب من مختلف الدول، كرسالة مفتوحة إلى العالم:

“لن يتكرر ذلك أبداً.”

من صدمة الناجين إلى مسؤولية الأجيال

مع مرور السنوات ورحيل أغلب الناجين، تحوّلت ذكرى ماوتهاوزن إلى واجب مجتمعي وأخلاقي، ومسؤولية تتوارثها الأجيال. لم تعد المناسبة تقتصر على التأبين، بل أصبحت منصة تعليمية وتربوية تنقل الوعي التاريخي، وتدعو إلى نبذ الشمولية والتطرّف السياسي.

يُشرف على تنظيم هذه الفعاليات اليوم كل من “لجنة ماوتهاوزن النمساوية” واللجنة الدولية لماوتهاوزن، بدعم حكومي وشعبي واسع، في دليل على أن إرث الألم يمكن أن يتحول إلى طاقة لبناء مستقبل أكثر إنسانية.

الذاكرة لا تموت

ماوتهاوزن ليس فقط شاهدًا على الفظائع، بل مدرسة حيّة في الضمير الإنساني. وبين جدرانه، تُروى قصص من ماتوا وقصص من نجا ليحمل الشعلة. وفي زمنٍ تتجدد فيه موجات الكراهية والعنصرية حول العالم، يبدو أن رسالته أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
تذكّروا… لأن النسيان قد يُعيد التاريخ من بابه الأسود.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!