مرة أخرى، تتعرّى شعارات “الصحافة الحرة” أمام اختبارٍ اسمه غزة.
وفضحت “بي بي سي” نفسها بنفسها حين قرّرت حجب فيلم وثائقي أنتجته بنفسها، يحمل عنوان “غزة: مسعفون تحت النار”، ويعرض شهادات مروعة لفرق الإسعاف الفلسطينية التي تواجه الموت تحت القصف الإسرائيلي، لا فرق بين ضحية وناجٍ.
الفيلم كان جاهزًا للعرض منذ فبراير، وتمّت مراجعته قانونيًا وتحريريًا، لكن فجأة، وبلا مبرر، قررت الهيئة دفنه في أدراج الرقابة.
لم يكن القرار مجرد إلغاء بث. كان إعلانًا صريحًا أن الإنسانية الفلسطينية لا تستحق مساحة بث على شاشات الإعلام البريطاني الرسمي.
ما الذي تخشاه BBC؟
هل باتت لقطات لرجال إسعاف يواجهون القنابل وهم يحملون الأطفال جريمة بصرية؟
هل تحوّلت الحقيقة إلى مادة قابلة للمحاكمة إذا لم تكن مُرضية للّوبيات الداعمة لإسرائيل في لندن؟
وهل أصبح الدفاع عن الإنسان الفلسطيني خروجًا على سياسة “الحياد المصنوع” الذي تتقنه المؤسسات الغربية؟
ما حدث تجاوز حدود الخطأ التحريري. نحن أمام رقابة سياسية صريحة، يُمارسها إعلام يُفترض أنه الأعرق والأكثر مهنية في العالم.
صحافة تصنع الصمت
في مواجهة هذا العار، وقّع أكثر من 600 شخصية بريطانية من مثقفين وصحفيين ومخرجين، رسالة مفتوحة تُدين BBC، وتتهمها بالتواطؤ في تغييب الرواية الفلسطينية.
الرسالة لم تطالب فقط ببث الوثائقي، بل بمحاسبة من قرر منعه، لأنهم –ببساطة– اختاروا الصمت عندما كان الكلام فرضًا أخلاقيًا.
BBC حاولت التملّص ببيان قالت فيه إنها ستعرض الفيلم “في أقرب وقت ممكن”. لكن أحد كبار الصحفيين علّق بمرارة: “هل تنتظرون أن يهدأ القصف أم أن يُنسى الدم؟”.
السؤال الذي يفضح الغرب
أين ذهبت معايير الحياد؟
أين اختفت الجرأة التي تُخصَّص عادة لكشف استبداد العالم الثالث؟
وهل حرية التعبير في بريطانيا مرهونة بمدى قربك من الرواية الإسرائيلية؟!
السكوت عن الجريمة جريمة أكبر، والتلاعب بتوقيت البث ليس احترافًا صحفيًا بل هندسة للوعي العام، تهدف إلى تحييد الرأي البريطاني عن تعاطفه الإنساني، وإبقاء “غزة” مجرد خبر عابر، لا صورة حية.
غزة تسقط الأقنعة
ليست هذه أول مرة، ولن تكون الأخيرة.
غزة، بكل دمها وركامها، باتت مرآة تنعكس عليها أخلاق العالم.
وفي مرآة BBC هذه المرة، ظهر وجهٌ هشّ، مرتجف، لا يقوى على بثّ الحقيقة حتى لو كانت موثقة بكاميرات موظفيه.
لقد سقطت المهنية.
وسقطت الحرية.
وما بقي إلا غزة، شاهدة على زمن تُمنع فيه الحقيقة لأنها تفضح المجرم وتُحرج المتواطئ.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار