مع مرور أكثر من سبعة أشهر على اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد إسرائيل تقاتل على حدود القطاع فقط، بل باتت تواجه معركة داخلية صامتة وأشد فتكًا: معركة ضد التفكك النفسي والانهيار المجتمعي.
مجتمع تحت الصدمة
تظهر تقارير رسمية إسرائيلية أن المجتمع بات يرزح تحت وطأة أزمة نفسية غير مسبوقة، تتجلى في ارتفاع معدلات الانتحار، وتفشي الاكتئاب، وتضاعف حالات الإدمان، وازدياد طلبات العلاج النفسي. صحيفة “يديعوت أحرونوت” وصفت في تقريرها الوضع قائلة: “إسرائيل في حالة طوارئ نفسية”. بينما نشرت هيئة البث العامة “كان” في أبريل الماضي تحقيقًا بعنوان “الصحة النفسية في خطر”، تحدث عن اكتظاظ مراكز العلاج، وتسجيل مستويات قياسية من الإحالات النفسية خاصة بين الجنود والأطفال.
الجيش يحترق من الداخل
تُعد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أكثر المتضررين نفسيًا من الحرب. تقرير أمني نقلته قناة “كان 11” أشار إلى أن مئات الجنود يعانون من “اضطراب ما بعد الصدمة”، وأن نسبة المتقدمين للعلاج النفسي في وحدات الاحتياط والجنود النظاميين تجاوزت أربعة أضعاف المعدل المعتاد. كما نقلت القناة عن أطباء عسكريين قولهم: “ما نراه في عياداتنا هو جيش محطم نفسيًا… هذه ليست معركة فقط على الحدود، بل في عقول المقاتلين”.
أرقام تدق ناقوس الخطر
-
في مارس 2024، كشف تقرير لوزارة الصحة الإسرائيلية أن نسبة استهلاك المهدئات ارتفعت بنسبة 37% منذ اندلاع الحرب.
-
وزارة التربية والتعليم أبلغت الكنيست بأن 60% من طلاب الجنوب يعانون من أعراض قلق حاد واكتئاب.
-
مراكز الدعم النفسي في تل أبيب والقدس سجلت ارتفاعًا بنسبة 80% في طلبات المساعدة منذ بداية الحرب، وفق تقرير لصحيفة “هآرتس”.
-
مؤسسة “عير عميم” حذّرت من أن الفجوات الطبقية والنفسية تتسع بشكل خطير في المناطق المهمشة، ما يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي.
انهيار العقد الاجتماعي
يرى أستاذ علم الاجتماع الإسرائيلي البارز، د. يوفال فريدمان، أن الحرب “كشفت زيف التضامن الداخلي”، مضيفًا في مقابلة مع صحيفة “معاريف”: “نعيش اليوم في مجتمع يعاني من انهيار في ثقته بمؤسساته السياسية والعسكرية والدينية. هذا الانهيار يولّد قلقًا وجوديًا يتغلغل في كل بيت”.
ويضيف: “هناك قناعة تتشكل أن شيئًا ما قد انكسر في داخلنا منذ 7 أكتوبر، وأننا نعيش ما يشبه مرحلة ما بعد الصدمة الجماعية، من دون أن تنتهي الصدمة نفسها”.
الوجه الآخر للقوة المفرطة
فيما تستعرض إسرائيل جبروتها العسكري على قطاع غزة وتواصل حملتها المدمرة، يُظهر الداخل الإسرائيلي وجهًا هشًّا ومتآكلًا. المفارقة أن القوة التي كان يُفترض أن تمنح المجتمع شعورًا بالأمان، تحولت إلى مصدر ضغط وانكشاف.
وبينما تحصي غزة شهداءها تحت الركام، تحصي إسرائيل ضحاياها في العيادات النفسية، والمصحات، وخلف جدران الصمت والاكتئاب. “إنها دولة تخسر نفسها وهي تتوهم النصر”، على حد تعبير المحلل النفسي الإسرائيلي د. يوني شرغا، الذي وصف الوضع في مقال له بـ”تسونامي داخلي يلتهم ما تبقى من تماسكنا كأمة”.
خلاصة
ربما تكون إسرائيل قد نجحت في تدمير جزء كبير من غزة، لكنها خسرت شيئًا أكثر عمقًا: وهم الاستقرار الداخلي. فالحرب لا تقاس بعدد الغارات أو الجثث فقط، بل بعدد الأرواح التي فقدت بوصلتها في مجتمعات المتفرجين.
حرب غزة، إذن، ليست حربًا على الفلسطينيين وحدهم، بل صارت – بشكل غير متوقع – حربًا إسرائيلية على الذات. وكلما طال أمدها، كلما اقترب المجتمع الإسرائيلي من حافة الانهيار الشامل، لا سياسيًا فقط، بل نفسيًا وأخلاقيًا أيضًا.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار