في بلدة كلوستربورغ الصغيرة الواقعة على أطراف فيينا، ينهض صرح علمي هادئ لكنه طموح إلى أقصى الحدود: معهد العلوم والتكنولوجيا في النمسا (ISTA). خلف هدوء الطبيعة وجمال الغابات، يجري سباق عالمي من نوع آخر – سباق نحو التميز البحثي، الابتكار، وربما مستقبلًا… جائزة نوبل.
تأسس المعهد عام 2009 على أساس رؤية طرحها الفيزيائي النمساوي الشهير والحائز على نوبل أنتون زايلينغر، الذي دعا إلى إنشاء مؤسسة علمية عالمية في النمسا تنهض بالبحث الحر وتستقطب العقول اللامعة. واليوم، يضم ISTA أكثر من 1300 موظف، بينهم 90 أستاذًا من 78 جنسية، يعملون في بيئة علمية متعددة التخصصات تركز على الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، علوم الحياة والمعلوماتية.
لكن ما يميز المعهد فعليًا ليس فقط تنوعه، بل نموذجه المؤسسي الفريد: لا يوجد تقليد جامعي ثقيل، بل منظومة تقوم على التميز الفردي، والاستقلالية التامة لمجموعات البحث، وعدم الالتزام الصارم بالفروع التقليدية. هذا الانفتاح جعل منه بيئة مغناطيسية للباحثين من مؤسسات كبرى مثل ستانفورد وMIT، في وقت تشهد فيه أوروبا سباقًا لاستقطاب العقول من الولايات المتحدة.
في ميزان الأرقام، يبرهن ISTA على جدارته: أكثر من 80 منحة ERC – وهي من أرفع المنح البحثية في أوروبا – بنسبة قبول تقارب 50%، أي ما يفوق بأربعة أضعاف المعدل الأوروبي البالغ 12%. أما من حيث التمويل، فقد ضمن المعهد دعمًا طويل الأمد من الحكومة والولاية بقيمة 3.3 مليار يورو حتى عام 2036، مما يوفّر استقرارًا ماليًا نادرًا في عالم البحث العلمي.
ومع توسع الحديقة العلمية التابعة له “Xista”، التي تضم الآن أكثر من 20 شركة ناشئة، يدخل المعهد أيضًا في دائرة نقل التكنولوجيا والابتكار، رابطًا بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وهو ما يعزز مكانته كلاعب اقتصادي أيضًا.
لكن، هل يكفي كل ذلك لنيل جائزة نوبل؟ ربما لا، لكنه بالتأكيد يضع المعهد على خارطة النخبة العالمية. فالبحوث اليوم تُنتج ضمن شبكات دولية متداخلة، ومع ذلك فإن وجود مركز بحوث عالي الأداء مثل ISTA يمنح النمسا موقعًا مشرفًا في خريطة العلم الحديث، ويجعل من حلم نوبل احتمالًا علميًا لا مجرد شعار سياسي.
في النهاية، قد تكون حاكمة النمسا السفلى يوهانا ميكل-لايتنر قد قوبلت بالسخرية حين قالت إنها تريد نوبل لولايتها، لكن الواقع يُظهر أن خلف الطموح السياسي مشروع علمي جاد، يثبت أن الأحلام الكبيرة تبدأ من مختبر صغير… إذا توافرت الرؤية والتمويل والإرادة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار