فيينا : شبكة رمضان الإخبارية
في قلب العاصمة النمساوية، فيينا، ووسط المحال التجارية المزدحمة، كشفت السلطات النقاب عن شبكة مالية مظلمة تعمل من خلال مكتب غير رسمي للتحويلات، يُشتبه في تورطه بتمويل مئات من عمليات تهريب البشر، باستخدام ما يُعرف بـ”نظام الحوالة” (Hawala) — نظام مالي موازٍ يعمل خارج المنظومة المصرفية التقليدية، ويُستخدم غالباً في غسل الأموال والإجرام المنظّم.
نظام الحوالة.. مصرف الظل العالمي
نظام الحوالة ليس حديث النشأة؛ بل هو آلية تقليدية وموثوقة لنقل الأموال، شائعة في جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويعتمد على شبكة من الوكلاء الموثوقين (يطلق عليهم Hawaladaren)، يقوم أحدهم باستلام مبلغ من المرسل في بلد معين، ثم يُسلَّم المال إلى المستلم في بلد آخر من دون أي تحويل بنكي، أو حتى وثيقة رسمية.
“إنه نظام مصرفي موازٍ لا يترك خلفه ورقة واحدة، ولا يظهر على أي حساب بنكي”، كما أوضح جيرالد تاتسغيرن، المسؤول البارز في المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية في مقابلة مع برنامج Wien heute.
المكتب المشتبه به: قِناع قانوني لأنشطة مظلمة
التحقيقات كشفت أن المكتب المشتبه به في فيينا يعمل تحت غطاء مشروع: محل لبيع الهواتف المحمولة. إلا أن دوره الحقيقي، بحسب النيابة العامة، كان تنفيذ مدفوعات دولية لصالح شبكات تهريب بشر، وصلت إلى أفغانستان، الشرق الأوسط، والبلقان.
وفي هذه العمليات، يتوجه أحد المتواطئين إلى المتجر في فيينا لإيداع مبلغ نقدي، ثم يُسلّم ذات المبلغ أو ما يعادله لطرف آخر – غالباً أحد منظّمي الرحلات غير الشرعية – في بلد آخر عبر Hawaladar محلي هناك.
التمويه وسط السوق القانونية
ما يجعل هذه الشبكات صعبة الكشف هو تمويهها الذكي. فوفقًا لتاتسغيرن، قد يتخفّى Hawaladar في متجر لبيع الخضار أو كشك هواتف، ما يصعّب التفريق بين النشاط المشروع وغير المشروع.
ويضيف:
“لا يُمكننا اكتشاف هذه العمليات من خلال النظام المصرفي أو المراقبة المالية، لأن التحويلات لا تمر أصلًا عبر البنوك.”
تمويل التهريب بلا بصمات رقمية
تُظهر الأدلة أن المكتب كان على صلة بمئات من عمليات تهريب البشر، بدءاً من الحدود التركية-البلقانية، ومرورًا بالنمسا، وحتى ألمانيا والسويد. وغالباً ما تتقاضى الشبكات مبالغ تصل إلى 6,000 يورو للفرد مقابل تهريبهم.
جزء من هذه المدفوعات يُدار عبر نظام الحوالة، ما يجعلها غير قابلة للتتبع من قبل الجهات الرسمية، ويمنع الكشف عن هوية المستفيد النهائي.
فراغ قانوني يعوق الملاحقة
في النمسا، لا يُعتبر استخدام نظام الحوالة جريمة جنائية، بل مجرد مخالفة إدارية، إلا إذا ارتبط بأنشطة إجرامية أخرى مثل غسل الأموال أو تهريب البشر. هذا الفراغ القانوني يخلق تحديًا كبيرًا، ويُقيّد قدرة أجهزة إنفاذ القانون على اتخاذ خطوات رادعة فعالة.
متى يُغلق الباب الخلفي؟
مع تزايد ضغط الهجرة، وتنامي الاقتصاد غير الرسمي في أوروبا، يُعيد هذا الكشف فتح النقاش حول الحاجة لتشريعات أوروبية موحدة تُجرّم استخدام أنظمة التحويل غير المرخّصة.
فبينما يُستخدم نظام الحوالة أحيانًا لأغراض مشروعة مثل إرسال الأموال إلى عائلات اللاجئين في بلاد الأزمات، إلا أن ثغراته التنظيمية تجعله أداة مثالية لشبكات الإجرام العابر للحدود.
خاتمة: الحوالة بين الظل والقانون
ما حدث في فيينا ليس حادثة معزولة، بل نموذجٌ مصغّرٌ لمصرف غير رسمي عالمي يعمل تحت أعين السلطات دون أن يترك أثراً. وبينما يسعى اللاجئون إلى النجاة، يسعى آخرون لجني الأرباح على ظهورهم، في غرف صغيرة ومحال متنكرة، تُديرها شبكات عابرة للقارات.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: كم عدد مكاتب الحوالة المشابهة التي ما زالت تعمل في الخفاء؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار