فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في تقرير علمي ضخم ومثير للقلق، كشف الخبراء أن النمسا أصبحت واحدة من أكثر الدول الأوروبية تضررًا من تغير المناخ، بعدما ارتفعت درجات حرارتها بمقدار 3.1 درجات مئوية منذ مطلع القرن العشرين، أي ما يعادل تقريبًا ضعف المتوسط العالمي. هذا ما أكد عليه التقرير الثاني لحالة المناخ في النمسا (AAR2)، الذي صدر بعد ثلاث سنوات من العمل بمشاركة أكثر من 200 باحثة وباحث، ليكون المرجع العلمي الأوسع حتى الآن في هذا المجال.
ورغم الجهود السياسية والبيئية المبذولة، فإن الواقع لا يزال صادمًا: موجات حر قاتلة، جفاف متزايد، فيضانات مدمّرة، وانخفاض حاد في المياه الجوفية. ويؤكد التقرير أن هذه التأثيرات لن تبقى حبيسة الدراسات العلمية، بل باتت تُحسّ في الحياة اليومية للناس.
لماذا ترتفع درجات الحرارة في النمسا أكثر من غيرها؟
يرى الخبراء أن السبب يعود إلى موقع النمسا الجغرافي والتضاريسي، الذي يجعلها أكثر عرضة لظواهر الطقس القاسية، إلى جانب الاعتماد المكثف على القطاعات الصناعية والنقل، وهما المصدران الأكبر للانبعاثات. كما أن غياب التنسيق السياسي بين الحكومة الفيدرالية والولايات يزيد من تعقيد جهود مواجهة الأزمة، ويؤخر اتخاذ تدابير فعّالة.
شرق حار وغرب يلتهب
كان شرق النمسا هو المتضرر الرئيسي من ارتفاع الحرارة في العقود الماضية، لكن مدينة إنسبروك ومناطق الغرب باتت تسجّل ارتفاعات غير مسبوقة، ما يرشحها للتحول إلى “مراكز حرارة” في المستقبل القريب. ويُتوقع أن تنخفض المياه الجوفية بنسبة تصل إلى 30% في بعض المناطق بحلول عام 2050.
خسائر سنوية بالمليارات
تشير التقديرات إلى أن الخسائر الناتجة عن الظواهر المناخية المتطرفة تبلغ حاليًا نحو 2 مليار يورو سنويًا، وقد تصل إلى 5 مليارات يورو بحلول 2030. وتتنوع المخاطر ما بين وفيات بسبب موجات الحر، وتراجع إنتاج الغذاء، وتزايد الفيضانات والانهيارات الطينية.
بين الجهود المبذولة والتحديات المستمرة
رغم تبني سياسات مهمة مثل تسعير ثاني أكسيد الكربون، وتذكرة المناخ الوطنية، ودعم التحول إلى أنظمة تدفئة صديقة للبيئة، إلا أن هذه المبادرات شهدت تراجعًا ملحوظًا مؤخرًا بسبب سياسات التقشف. ويعترف الخبراء بأن ما يتم فعله “جيد لكنه غير كافٍ”.
ويؤكد التقرير أن الكهرباء المتجددة تمثل الأمل الأكبر لتقليل الانبعاثات، لكنها تتطلب تسريع التوسع بثلاثة أضعاف، إلى جانب توفير بنية تحتية قوية للنقل العام بأسعار مقبولة، ليشعر المواطن بأن لديه بدائل حقيقية.
تشابك سياسي يعوق التقدم
من أبرز التحديات بحسب الخبراء هو تشابك المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية والولايات والبلديات، ما يخلق فجوات كبيرة في التنفيذ. فعلى سبيل المثال، تُترك مسؤولية تحسين المباني للولايات، بينما تُحمّل الحكومة الفيدرالية نتائج الفشل المناخي أمام الاتحاد الأوروبي.
دعوة للتحرك قبل فوات الأوان
اختتم التقرير بنداء واضح ومباشر: الوقت ينفد، والتحرك الحاسم بات ضرورة وجودية. المطلوب اليوم ليس فقط تنظيمات تقنية أو هندسية، بل سياسة مناخية عادلة ومتماسكة تشمل كل قطاعات الحياة، وتُلهم الناس ليكونوا جزءًا من الحل.
كما قال وزير الزراعة النمساوي نوربرت توتشنيغ:
“لا يمكن فرض حماية المناخ بالقوة. نحتاج إلى إشراك الناس عبر المنطق والحجج، لنبني مستقبلًا آمنًا لنا جميعًا.”
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو تغير المناخ أمرًا مؤجلًا أو بعيدًا عن الواقع النمساوي. إنه الخطر الحاضر في كل موجة حر، وكل نهر جاف، وكل شتاء لم يعد كما كان. فهل تتحرك السياسات بالسرعة المطلوبة؟ أم أن الطبيعة ستسبقنا مرة أخرى؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار