الإثنين , 27 أبريل 2026
نزوح سكان غزة

غزة تموت ببطء: حصار الجوع والنار – والماء والملح.. بدل الغذاء

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

في مشهد يعجز عن وصفه الضمير الإنساني، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة تحت حصار خانق حوّل الحياة إلى كابوس يومي، ودفَع آلاف العائلات إلى الاكتفاء بالماء والملح، بعد أن فقدوا كل مقومات العيش، بما فيها الطعام والمأوى والأمان.

الماء والملح.. بدل الغذاء

من جباليا إلى رفح، لم تعد المأساة مجرد نقص غذائي، بل تحوّلت إلى مجاعة جماعية موثّقة. يقول أبو صخر، وهو نازح من مخيم جباليا:

“أُهيئ نفسي وعائلتي المكونة من ثمانية أفراد لمرحلة جديدة عنوانها الماء والملح، بعد أن فشلنا في تأمين أي طعام منذ يومين. لم يعد أمامنا سوى انتظار الموت أو المعجزة.”

في الوقت نفسه، يؤكد يوسف نصار، نازح آخر من شرق غزة، أن عائلته دخلت مرحلة “الصيام القسري” بسبب نفاد المواد الغذائية. ويضيف:

“نكتفي بوجبة واحدة من العدس أو الخبز اليابس، إن وُجد، لكننا نعلم أن المرحلة القادمة قد لا تسمح حتى بذلك.”

مجاعة وأرقام مفزعة

بحسب بيانات رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، توفي حتى الآن 690 فلسطينيًا بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم 69 طفلًا لم يجدوا قطرة حليب أو لقمة خبز تسند أجسادهم الضعيفة. فيما تشير تقارير وزارة الصحة إلى أن أقسام الطوارئ ممتلئة بمصابين بإعياء حاد نتيجة المجاعة، بعضهم في حالات حرجة للغاية.

جرائم مركبة: الحصار، القتل، التهجير

ليست المجاعة وحدها ما ينهش غزة. فمنذ بدء الحرب، يتعرض السكان لسلسلة من الجرائم الممنهجة:

القتل العشوائي عبر القصف الإسرائيلي المتواصل للمناطق السكنية.

التهجير القسري الذي دفع أكثر من 1.9 مليون إنسان إلى النزوح داخل القطاع الممزق.

تدمير ممنهج للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمخابز ومحطات المياه.

حصار مزدوج: إغلاق المعابر، ومنع إدخال الغذاء والدواء والوقود، مع تعطيل عمل المنظمات الإنسانية.

كل ذلك يجري في ظل صمت دولي مريب، وتواطؤ مكشوف من أطراف تحاول تسويق المجازر كـ”حق في الدفاع عن النفس”، بينما تقف شعوب بأكملها على شفا الإبادة البطيئة.

شهادات من الجحيم

“لقد استنفدنا كل شيء.. لا طعام، لا دواء، لا أمل. نأكل الحشائش أحيانًا، ونغلي الماء بالملح كي نخدع أجسادنا بأنها شبعت.” – بهذه الكلمات يختصر الشاب محمد رزق من حي الشجاعية واقع العائلات المنكوبة.

أما هالة المدهون، وهي أم لثلاثة أطفال، فتقول:

“أطفالي يسألونني عن وجبة العشاء، فأبكي بصمت. لا يوجد شيء. أعطيهم الماء لأجل أن يناموا.”

مجزرة إنسانية بلا شهود

في الوقت الذي تسارع فيه الأمم المتحدة لإصدار بيانات “قلق”، وتكتفي القوى الكبرى ببيانات “متوازنة”، يستمر العدوان الإسرائيلي في خنق غزة حتى آخر نفس، في مجزرة إنسانية تجري على مرأى ومسمع من العالم.

القطاع المحاصر، الذي لطالما صمد أمام الحروب، يواجه اليوم عدوه الأخطر: الموت جوعًا، بعد أن تقطعت به سبل الحياة والمقاومة.

غزة لا تطلب المستحيل. تطلب فقط ما يليق بالبشر:

أن تُفتح المعابر، أن يُسمح للغذاء والدواء بالمرور، أن يتوقف القصف، وأن تُرفع يد الاحتلال عن رقاب الأطفال الجوعى.

لكن إلى حين يتحرك الضمير العالمي، يبقى الماء والملح عنوانًا قاسيًا لصمود غزة.. وفضيحة أخلاقية للتاريخ.

ازدواجية دولية وتواطؤ إعلامي

في وجه هذه الكارثة الإنسانية، لم تكن المواقف الدولية على قدر المسؤولية الأخلاقية أو القانونية. إذ اكتفت معظم الحكومات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، بإعادة تدوير مصطلحات جوفاء مثل “الحق في الدفاع عن النفس” و”القلق العميق”، متجاهلة تمامًا أن شعبًا بأكمله يُعاقب جماعيًا، في خرق سافر لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.

أما المؤسسات الدولية، فقد بدا عجزها مدويًا. فمجلس الأمن فشل مرارًا في إصدار قرارات ملزمة، بفعل الفيتو الأميركي، بينما لم تُفعل آليات المحاسبة أو التدخل الإنساني العاجل. وتبقى الأمم المتحدة، برغم تصريحاتها المتكررة عن “كارثة غير مسبوقة”، عاجزة عن فرض ممرات آمنة لإيصال الغذاء والدواء.

الإعلام الدولي لم يكن أفضل حالًا، إذ تواطأت وسائل إعلام كبرى في تجاهل المجاعة المتصاعدة، وواصلت تغطية الحرب بلغة “الصراع المتوازن”، دون أن تعكس حقيقة أن المدنيين في غزة يُبادون تحت الحصار والجوع، لا في ساحة معركة متكافئة. وحتى حين تُنقل معاناة الفلسطينيين، فإنها غالبًا ما تُقدَّم في سياق “إنساني محايد”، يُساوي بين الجلاد والضحية.

هذا التواطؤ الإعلامي والسياسي، الذي يغضّ الطرف عن واحدة من أفظع المآسي المعاصرة، لا يُسهم فقط في استمرار الجريمة، بل يمنحها غطاء شرعيًا زائفًا، ويؤسس لسابقة خطيرة قد تطال شعوبًا أخرى لاحقًا.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!