فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في وقتٍ يزداد فيه اليأس من ضيق الفرص داخل مصر، تتجه أنظار شباب مصريين صوب وجهات غير تقليدية في القارة السمراء، حيث يجدون في الجنوب فرصًا ضاعت في الشمال. وتنزانيا، البلد الواقع على الساحل الشرقي لأفريقيا، تتحول تدريجيًا إلى “وطن ثانٍ” لمئات المصريين الباحثين عن حياة أكثر استقرارًا وكرامة.
من دلتا النيل إلى دار السلام
حين غادر أحمد جينة قريته في دلتا النيل عام 2017، لم يكن يحمل سوى حلمه وبعض المدخرات. واليوم، يُعرف في العاصمة التنزانية بلقب “عمدة المصريين”، بعدما أصبح مرجعًا للجالية هناك.
في 2021، أسس شركته “دريم تريدينغ” في تجارة الأدوات المنزلية، ثم توسّع إلى قطاع الحديد. لكن ما يميّز تجربته ليس فقط النجاح المهني، بل الدعم الذي يقدمه للمهاجرين الجدد من شمال أفريقيا، حيث يساعدهم في السكن والعمل والترجمة، محذرًا من الاعتماد على المساعدات أو الكسل.
يقول جينة:
“هذا البلد مليء بالفرص، لكنه لا يمنحها للمتواكلين”.
شبكات دعم واندماج حقيقي
جينة لا يعمل وحيدًا، بل أسهم خلال 8 سنوات في مساعدة عشرات الشباب على الاستقرار في تنزانيا، ضمن مجتمع عربي يناهز 70 ألفًا، بينهم 1200 مصري، وفقًا لتصريحات سابقة للسفير المصري في دار السلام شريف إسماعيل.
ويبدأ يومه بجولة على مستودعاته ومركز “سيتي مول”، ثم يجتمع مع المصريين والتنزانيين في مقهى صومالي يتبادلون فيه أطراف الحديث على فطور من “الماندازي” و”تشيبسي ماياي”، في مشهد يومي يعكس اندماجًا عفويًا بين الثقافات.
الكاجو.. بوابة استثمار واعد
على بُعد 550 كيلومترًا من دار السلام، في قرية مايان، أسس محمد الشافعي (34 عامًا) مصنعين لمعالجة الكاجو، أحد أهم صادرات تنزانيا، التي تحتل المرتبة الثامنة عالميًا في إنتاجه.
بدأ الشافعي من الصفر، بميزانية متواضعة، بعد أن تعلّم الصينية في القاهرة ثم أكمل دراسته في بكين، وهناك التقى برجال أعمال من فيتنام عرفوه بسوق الكاجو الأفريقي.
اليوم، تُشغّل شركته نحو 400 عامل من مصر وتنزانيا والصين، وتصدّر إنتاجها إلى دول عربية وتركيا، محققة إيرادات تجاوزت 700 ألف دولار في عامين.
أفريقيا.. وجهة الهجرة الجديدة؟
بحسب خبير الهجرة أيمن زهري، فإن الهجرة المصرية تشهد تحولًا ملموسًا نحو أفريقيا، لا سيما بعد تعثر الأوضاع في ليبيا ودول الخليج، وتزايد صعوبة الهجرة إلى أوروبا.
ارتفع عدد المصريين في الدول الأفريقية غير العربية من 46 ألفًا عام 2017 إلى 54 ألفًا بحلول 2021.
ورغم بقاء الخليج وأوروبا الوجهات المفضلة، إلا أن زهري يرى أن أفريقيا باتت تمثل “خزانًا للفرص البديلة”، خصوصًا مع تحسن بيئة الاستثمار في دول مثل تنزانيا، التي تقدم إعفاءات ضريبية وتأجيلات على الخسائر وتسهيلات للمستثمرين الأجانب.
ويضيف:
“المهارات المصرية مطلوبة في أفريقيا، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والتعليم، لكن الصورة الذهنية السلبية عن القارة لا تزال حاجزًا نفسيًا أمام كثير من الشباب”.
علاقات وثيقة واندماج ثقافي
المصريون في تنزانيا لا يعيشون في عزلة، بل يشاركون في المناسبات الوطنية والدينية، مثل “سابا سابا” (عيد الصناعة)، وعيد الأضحى، ويوم اللغة السواحلية، حيث تقام ولائم جماعية في القرى ومزارع الكاجو.
وفي دار السلام، يعيش المصريون وسط تنزانيين من أصول يمنية وعمانية وإيرانية، تعود جذورهم إلى عصور السيطرة العربية على الساحل الشرقي لأفريقيا قبل ثورة زنجبار عام 1964.
ويقول الشافعي:
“تجارة الكاجو قائمة على الثقة، والعمل هنا يمنحنا احترامًا ومكانة، بعيدًا عن القيود والصراعات”.
وجوه وأصوات من الغربة
الغربة، رغم الاستقرار، لا تخلو من لحظات قاسية. أكثرها وجعًا – كما يروي جينة – حين يموت أحد أفراد الجالية، إذ يتكاتف الجميع لتأمين إعادة الجثمان ومساندة أهله.
ومع ذلك، تسهم التكنولوجيا في تخفيف وطأة الفراق. “نرى أهلنا يوميًا عبر الهاتف”، يقول جينة، قبل أن يختم بابتسامة فيها الكثير من الحنين:
“لا أعلم متى سأعود، لكن ما أعرفه أن أبنائي ينشأون في وطن ثانٍ اسمه تنزانيا”.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار