فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
لا تزال النقاشات محتدمة في أروقة السياسة والمجتمع النمساوي حول مستقبل العمل وعدد ساعات الدوام المثالي، وسط تزايد الأصوات المطالبة بالمزيد من التوازن بين الحياة المهنية والشخصية. ففي الوقت الذي يطالب فيه وزير الاقتصاد عن حزب الشعب (ÖVP)، فولفغانغ هاتمانسدورفر، بضرورة تشجيع النمساويين على العمل بدوام كامل يصل إلى 40 ساعة أسبوعيًا، يبدو أن نبض الشارع يسير في اتجاه مغاير تمامًا.
الوزير المحافظ عبّر خلال الأيام الماضية عن امتعاضه من تزايد ظاهرة “الدوام الجزئي كخيار أسلوبي للحياة” (Lifestyle-Teilzeit)، معتبرًا أن البلاد تحتاج إلى أداء اقتصادي أكبر وجهد أكثر من القوى العاملة. لكن هذه الدعوات تصطدم بواقع اجتماعي متغير؛ إذ يشعر الكثير من سكان فيينا بأنهم يعانون أصلًا من قلة أوقات الفراغ، ويطالبون بظروف عمل أكثر مرونة.
30 ساعة في الأسبوع؟ “هذا هو المثالي”
على ساحة “شفيدن بلاتس” الشهيرة وسط فيينا، رصدت صحيفة “هويته” آراء بعض المواطنين حول الموضوع، ووجدت أن الرغبة في خفض عدد ساعات العمل منتشرة بشدة بين الفئات الشابة. تمارا وآنّا (28 عامًا) صرحتا بأن العمل 30 ساعة أسبوعيًا سيكون الخيار المثالي بالنسبة لهما. “هذا يناسب نمط حياتنا تمامًا”، تقول آنّا.
وعندما طُلب من المارة تخيل كيف سيقضون وقتهم الإضافي في حال خُفّضت ساعات العمل، تباينت الإجابات ولكنها حملت قاسمًا مشتركًا: البحث عن الراحة والاستمتاع بالحياة.
من “شفايتسرهاوس” إلى الجيّو كاشينغ.. الوقت للمتعة
بالنسبة للزوجين سابريـنا ومانفريد، فإن الوقت الإضافي سيكون فرصة للاستمتاع أكثر بالحياة. يقولان بابتسامة: “سنقضي وقتًا أطول في شرب الجعة وأكل الستلتسه في مطعم شفايتسرهاوس”، أحد أشهر أماكن الاستجمام والراحة في حديقة براتر الفيينية.
آخرون يرغبون في استثمار أوقات الفراغ في السفر الطويل أو قضاء مزيد من الوقت مع العائلة والأصدقاء، وهي أمنيات تكررت كثيرًا في استطلاع الصحيفة.
وبينما كانت مجموعة من الشباب تمارس هواية “الجيّو كاشينغ” – وهي لعبة بحث حديثة تشبه صيد الكنوز باستخدام نظام GPS – أجابوا فورًا على السؤال: “بالطبع نريد وقتًا أطول لممارسة هذه الهواية!” أما مانويل، فكان أكثر وضوحًا في ميوله: “سأقضي وقتي في ممارسة رياضة السيارات والموتورسبورت”.
المتقاعدون يبتسمون: “نحن في نعيم”
أما أولئك الذين أنهوا حياتهم المهنية ودخلوا سن التقاعد، فينظرون إلى الجدل القائم بابتسامة رضا. تقول كارين، وهي متقاعدة فضّلت عدم الكشف عن اسمها الكامل: “أنا محظوظة! لقد خرجت إلى المعاش ولم أعد مضطرة للقلق بشأن ساعات العمل”.
عمل أقل، حياة أكثر
في ضوء هذا الجدل، يبدو أن النقاش حول عدد ساعات العمل في النمسا ليس مجرد خلاف سياسي، بل يعكس تحوّلًا أعمق في مفاهيم النجاح والسعادة. فبينما تقيس الحكومة الأداء بعدد ساعات العمل، بات كثير من المواطنين يقيسون جودة حياتهم بما تبقى لهم من وقت للراحة، والاستمتاع، والتواصل الإنساني.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تستطيع السياسة مجاراة هذا التغير المجتمعي المتسارع، أم ستظل تعاند تيارًا لا يمكن تجاهله؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار