فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان أشباح التاريخ الأوروبي القاتم، أثار ما وُصف بأنه “واقعة معاداة للسامية” في مطعم بيتزا بحيّ فينّا الخامس عشر ضجّة كبرى وردود فعل متباينة، تجاوزت جدران المطعم ووصلت إلى صفحات السياسة ووسائل التواصل الاجتماعي.
القصة رواها عازف التشيلو والقائد الأوركسترالي الأمريكي-الإسرائيلي الشهير أميت بيليد عبر منشور على صفحته بفيسبوك، قائلاً إنه تعرّض للإهانة والطرد من أحد المطاعم فقط لأنه تحدث بالعبرية.
“تحدثتم بالعبرية؟ إذن لن أقدّم لكم شيئًا!”
بيليد كان برفقة زميليه الموسيقيين، العازف هغاي شاهام وعازفة البيانو يوليا غورفيتش، حين قرروا التوقف لتناول وجبة خفيفة قبل أحد عروضهم الموسيقية في فيينا. وأثناء حديثهم داخل المطعم باللغة العبرية، كما يقول، عاد النادل إليهم بعد أن أخذ الطلب وسألهم: “بأي لغة تتحدثون؟” وعندما أجابه بيليد: “بالعبرية، طبعًا”، نظر إليه مباشرة وقال بلا تردد: “في هذه الحالة، غادروا المكان. لن أقدّم لكم الطعام.”
الصدمة الأكبر.. من الجالسين حولهم
بيليد لم يُخفِ صدمته مما وصفه بالتمييز العلني، لكنه أشار إلى أن الأكثر إيلامًا من الطرد كان صمت الحاضرين. كتب يقول: “بعض الزبائن رمقونا بنظرات تعاطف، لكن أحدًا لم يتدخل أو يعترض. الجميع عادوا بهدوء إلى أكلهم، وأحاديثهم، وكؤوس نبيذهم، وكأن شيئًا لم يحدث.” ليختم بمرارة: “مرحبًا بكم في أوروبا، 2025.”
ردود متباينة وغضب رسمي
منشور بيليد أثار موجة تضامن كبيرة على مواقع التواصل، مع دعوات لعدم تعميم الحادثة على النمسا أو على فيينا تحديدًا، خصوصًا في ظل تقارير غير مؤكدة تفيد بأن صاحب المطعم من أصول عربية. لكن الانتقاد الأشد وُجّه إلى سلبية الزبائن الذين فضلوا الصمت على المواجهة.
أحد المعلّقين كتب: “عار على فيينا! والمخجل أكثر أن الجالسين لم يفتحوا أفواههم دفاعًا عن الحق والكرامة.”
وفي السياق نفسه، طالب ألكسندر برول، كاتب الدولة المسؤول عن مكافحة معاداة السامية في الحكومة النمساوية، بفتح تحقيق كامل في الحادثة، مؤكدًا في بيان رسمي: “من يطرد ضيوفًا يهودًا بسبب لغتهم، لا يهاجم اليهود فقط، بل يطعن في صميم القيم الأساسية لجمهوريتنا. ما حدث جرس إنذار مخزٍ، ولا مكان لمثل هذه التصرفات في النمسا.”
بين فيينا وغزة.. ازدواجية الأخلاق وصمت الضمير
المفارقة الصادمة التي لا يمكن تجاهلها هنا، هي كيف تحوّلت حادثة رفض تقديم بيتزا إلى قضية “كرامة إنسانية” و”قيمة أوروبية” استدعت بيانات حكومية عاجلة، بينما تُرتكب جرائم حرب يومية بحق المدنيين في غزة، حيث يُمنع الطعام لا بسبب اللغة، بل بسبب الهوية الوطنية والجغرافية، ويُقتل الأطفال والنساء جوعًا وتحت الأنقاض، دون أن يرفّ للعالم جفن أو يُصدر بيانات غاضبة بنفس الحدة.
إن كان طرد ثلاثة موسيقيين من مطعم بسبب لغتهم مدانًا – وهو كذلك بلا شك – فإن تجويع مليوني إنسان ومحاصرتهم حتى الموت في غزة جريمة أخلاقية وإنسانية أعمق وأفظع، ومع ذلك لم نسمع من نفس المسؤولين الأوروبيين إلا الصمت أو التبرير.
بيتزا واحدة فضحت المعايير المزدوجة
ما حدث في فيينا، وإن كان محزنًا، يفتح الباب لسؤال أكثر عمقًا: هل ما زال الضمير الأوروبي ينتفض فقط عندما يُظلم “شخص يشبهه”، ويصمت عندما تكون الضحية فلسطينية تُنطق بالعربية أو تُذبح باسم “أمن إسرائيل”؟
في زمن أصبحت فيه لغة الإنسان سببًا لطرده، وجنسه مبررًا لحصاره، يبدو أن أوروبا بحاجة لوجبة أكبر من العدالة… لا بيتزا فقط.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار