فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في ظل التحديات المتزايدة التي يشهدها سوق العمل في النمسا، خرج يوهانس كوف، رئيس مكتب العمل النمساوي (AMS)، عن تحفظه المعتاد وتحدث بصراحة عن أزمة تقليص ساعات العمل، وانخفاض عدد ساعات التشغيل، ومحدودية فرص كبار السن في سوق العمل، محذرًا من تداعيات هذه الظواهر على استدامة النظام الاجتماعي في البلاد.
ويشغل كوف منصبه منذ 19 عامًا، عايش خلالها أزمات كبرى أثرت على سوق العمل، بدءًا من الأزمة المالية في 2009، مرورًا بموجة اللجوء عام 2015، ثم جائحة كورونا، وصولًا إلى الركود الاقتصادي الحالي. ومن مكتبه في مقر AMS بالحي العشرين في فيينا، يراقب كوف حركة سوق العمل عبر شاشة تعرض البيانات لحظة بلحظة: “مهم أن نرى أن السوق ما زال يتحرك، وأن هناك دائمًا من يجد وظيفة جديدة حتى في أوقات الركود”، يقول كوف في حوار موسع مع صحيفة “هويته”.
كبار السن والعمل: التقدير يتوقف عند باب الخروج
يرى كوف أن إحدى الإشكاليات الكبرى تكمن في المفارقة بين التقدير العالي الذي تحظى به الكفاءات الأكبر سنًا داخل المؤسسات، مقابل النظرة السلبية التي تُقابل بها نفس الكفاءات عند التقدم لوظائف جديدة: “بين 50 و55 عامًا، يُنظر إلى الشخص كقائد وخبير ومرشد، لكن إن فقد عمله فجأة، يُعتبر فجأة “كبيرًا في السن” ولا يُرحب به في سوق العمل”.
وقد أثبتت دراسة ميدانية أجراها AMS هذا الواقع: حيث تم إرسال 800 طلب توظيف بأسماء افتراضية لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 32 و52 عامًا، مع نفس المؤهلات، وكانت النتيجة أن المتقدم الأصغر سنًا هو من يُستدعى للمقابلة في معظم الحالات، رغم غياب الفروقات في الرواتب حسب الاتفاقات الجماعية.
ولمواجهة هذا التحيز، أعلن كوف أنه اعتبارًا من عام 2026، ستُمنح الشركات حوافز مالية لتوظيف كبار السن، وليس فقط الاحتفاظ بهم في وظائفهم الحالية.
العمل الجزئي.. أزمة مزدوجة
تحدث كوف أيضًا عن ظاهرة العمل الجزئي، التي أصبحت تحديًا متصاعدًا. ورغم أن النساء لا زلن يشكلن النسبة الأكبر من العاملين بدوام جزئي، فإن الظاهرة بدأت تتسع بين الرجال أيضًا، وخصوصًا الشباب والآباء الجدد. “هذا ما كنا نريده، أن يشارك الآباء أكثر في رعاية الأطفال، ولو حتى عبر شهر الأبوة، كما فعلت أنا”، يقول كوف.
ويشير إلى ظهور شريحة جديدة في سوق العمل: شباب مؤهلون تأهيلاً عاليًا يختارون عمدًا العمل 30 ساعة فقط أسبوعيًا، لكن كوف يرفض تعميم هذا النموذج: “الكثيرون لا يستطيعون العيش من دخل عمل جزئي، إلا إذا ورثوا شقة من الجدة أو كانوا في موقع مالي مريح”.
ويضيف أن هناك حوافز ضمن النظام تشجع على العمل الجزئي، مثل دفع نفس مساهمة التأمين الصحي لمن يعمل بدوام كامل ويتقاضى 3,000 يورو، ومن يعمل بدوام جزئي مقابل 1,500 يورو. “البعض يرى أن هذا غير عادل. ربما يجب ربط المساهمة بالساعة وليس بالدخل الشهري، لكن هذا يتطلب تسجيلًا دقيقًا لساعات العمل”.
الدولة تستطيع التأثير.. لكن هل تُجدي الحوافز؟
يرى كوف أن الدولة تستطيع التأثير على سلوك الناس من خلال الحوافز أو الإجراءات الرادعة، حسب الوضع المالي: “إذا كنت أعمل 10 أو 20 ساعة أكثر في الأسبوع مقابل دخل إضافي ضعيف، فسيقل الحافز على العمل الإضافي”.
وأوضح أيضًا أن الأشخاص العاطلين عن العمل لا يمكنهم رفض وظيفة بدوام 30 ساعة فقط لأنهم يرغبون بالعمل 20 ساعة، إذا كانت ظروفهم، كتوفر رعاية للأطفال، تسمح بالعمل. “من يرفض وظيفة مناسبة، يُحرم من إعانة البطالة لمدة 6 أسابيع، إلا إذا وجد وظيفة بديلة خلال 4 أسابيع، فيستعيدها بأثر رجعي”.
مستقبل التقاعد: هل سنضطر للعمل حتى سن 65؟
فيما يتعلق بسن التقاعد، أشار كوف إلى وجود توجه واضح من الحكومة للاقتراب من السن القانوني للتقاعد (65 عامًا)، مؤكدًا أن ارتفاع متوسط الأعمار وزيادة عدد المتقاعدين سيجعل هذا الخيار ضروريًا مستقبلاً، “لكن ليس في هذه الدورة التشريعية”، كما أوضحت وزيرة العمل، بحسب كوف.
خلاصة الموقف
رسالة كوف كانت واضحة: “لسنا أمام شعب كسول، ولكن أمام منظومة محفزة على العمل أقل، في وقت نحتاج فيه إلى المزيد من الإنتاج والتمويل لنظامنا الاجتماعي”. وبين التحديات الديموغرافية، ونقص اليد العاملة، وتحيزات سوق التوظيف، يبدو أن إصلاح سوق العمل في النمسا سيكون معركة طويلة، تتطلب شجاعة سياسية وتغييرًا في النظرة الاجتماعية للعمل.
رئيس AMS يدق ناقوس الخطر: “العمل أقل والتقاعد أطول.. معادلة لا يمكن أن تستمر دون ثمن اجتماعي واقتصادي”.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار