فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
كشفت دراسة أوروبية حديثة أن اللاجئين الأوكرانيين في النمسا وأوروبا يفضّلون فرص العمل وكسب المال على المساعدات الاجتماعية عند اختيارهم لبلد اللجوء، في دحض مباشر للفكرة السائدة بأن الدعم المالي هو الدافع الرئيسي خلف قرارات اللجوء. وتأتي هذه النتائج في وقت يتصاعد فيه الجدل السياسي في النمسا ودول أوروبية أخرى حول دور نظام الإعانات في جذب اللاجئين.
ووفقًا لأحدث بيانات هيئة الإحصاء النمساوية Statistik Austria، بلغ عدد اللاجئين الأوكرانيين في النمسا نحو 88 ألف شخص حتى نهاية عام 2024، من أصل قرابة خمسة ملايين لاجئ فرّوا من الحرب الروسية واستقروا في بلدان أوروبية مختلفة.
دراسة عابرة للحدود: من إنسبروك إلى ميونيخ
الدراسة نُشرت في المجلة العلمية الرصينة PNAS، وأجراها فريق بحثي بقيادة يوب أديما من جامعة إنسبروك النمساوية، بالتعاون مع مركز ifo للاقتصاديات التنموية والهجرة في مدينة ميونيخ الألمانية. وهدفت الدراسة إلى تحليل العوامل التي تؤثر على اختيار وجهة اللجوء من قبل اللاجئين الأوكرانيين، في محاولة لتقديم إجابات علمية وسط سجالات سياسية متزايدة حول “جاذبية” نظام الرفاه الأوروبي.
استبيان موسّع شمل أكثر من 3,300 لاجئ
شارك في الدراسة 3,300 لاجئ ولاجئة أوكرانية يقيمون حاليًا في دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سويسرا والنرويج. وجرى عرض سيناريوهات افتراضية على المشاركين، لاختيار بلد مفضل بين اثنين وهميين، يختلفان في عناصر متعددة، منها:
-
القرب الجغرافي من أوكرانيا
-
وجود أقارب أو أصدقاء
-
اللغة المتداولة ومدى إتقانها
-
فرص العمل المتاحة
-
متوسط الدخل
-
مستوى الدعم الاجتماعي
-
تكاليف السكن
وكان الهدف من هذه التجربة هو تحديد العوامل الحاسمة التي تلعب الدور الأهم في قرارات اللاجئين.
نتائج حاسمة: سوق العمل أهم من الدعم الاجتماعي
أظهرت النتائج بوضوح أن فرص العمل تأتي في مقدمة الاعتبارات، متقدمة على حجم المساعدات الاجتماعية بفارق كبير. وبيّن الباحثون أن الفوارق في مستوى الدخل تؤثر أربعة أضعاف أكثر من الاختلافات في المساعدات.
وقال بانو بوتفاارا، مدير مركز ifo، إن “هذا لا يعني أن الدعم المالي غير مهم، لكنه ليس العامل الأساسي”. أما الباحثة المشاركة إيفون غيسينغ، فأكدت أن خفض الإعانات قد لا يقلل من أعداد اللاجئين، بل قد يؤدي إلى إضعاف فرص الاندماج على المدى الطويل.
الروابط العائلية واللغة… عناصر جذب مهمة
إلى جانب سوق العمل، أظهرت الدراسة أن وجود شبكات دعم عائلية أو اجتماعية في بلد ما يشكّل عامل جذب إضافي، كما أن إتقان اللغة المحلية يُسهّل عملية الاندماج، ويزيد من احتمالية اختيار ذلك البلد.
وتوضح الدراسة أن هذه العوامل “غير المالية” تساهم في تعزيز فرص الاستقرار والاندماج، بما يفوق في تأثيره الحوافز المالية المباشرة، لا سيما عند الحديث عن لاجئين يتمتعون بمستوى تعليمي مرتفع نسبيًا كما هو الحال في حالة الأوكرانيين.
نتائج قابلة للتعميم… بتحفظ
يشير فريق البحث إلى أن هذه النتائج قد تكون صالحة للتطبيق على مجموعات لاجئين أخرى، إلا أن الخصوصية الأوكرانية — من حيث الخلفية التعليمية والمهنية — قد تجعل فرص العمل أكثر جاذبية بالنسبة لهم مقارنةً بلاجئين قادمين من دول أخرى يعانون من ظروف تعليمية أو لغوية أكثر تعقيدًا.
ويختم الباحثون بأن منح الأولوية للتكامل الاقتصادي واللغوي يُعدّ استراتيجية أكثر فاعلية من التركيز على تقليص المساعدات، ما قد يُعيد توجيه النقاش السياسي نحو سياسات إدماج مستدامة بدلًا من محاولات الردع غير المجدية.
خبير يعلّق:
يرى الخبير النمساوي في شؤون الهجرة كريستوف نويرباور أن نتائج الدراسة تعزز منطق “التمكين بدل التقييد”، ويضيف: “إذا كنا نريد لاجئين يندمجون بسرعة ويعتمدون على أنفسهم، علينا أن نوفّر لهم مسارات عمل واقعية بدلًا من اقتصار النقاش على حجم الدعم الاجتماعي”.
خلاصة:
تضع هذه الدراسة أساسًا علميًا جديدًا لصياغة سياسات أكثر عقلانية في ملف اللجوء، وتدعو إلى التركيز على فرص العمل والتكامل اللغوي كأدوات حقيقية لضبط الهجرة وتعزيز الاستقرار، بعيدًا عن النقاشات الشعبوية حول “جاذبية المساعدات”. فالمعادلة باتت واضحة: العمل أولًا، لا المعونة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار