فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
وسط النقاشات السياسية الصيفية التي تشهدها النمسا هذا العام، برز ملف سوق العمل كموضوع رئيسي مثير للجدل، خصوصًا فيما يتعلق بالفجوة بين العمل بدوام كامل والجزئي، واحتمالات رفع سن التقاعد في المستقبل القريب. وفي مقابلة لافتة مع صحيفة “Heute”، قدّم رئيس مكتب العمل النمساوي (AMS)، يوهانس كُوپف، رؤيته الصريحة حول مستقبل العمل والتقاعد في البلاد.
رفع سن التقاعد قادم لا محالة
قال كُوپف: “أعتقد شخصيًا أننا سنضطر للعمل لفترة أطول في المستقبل، بسبب ارتفاع متوسط العمر وزيادة مدة الاستفادة من المعاشات التقاعدية”.
ورغم تأكيده على أن وزيرة العمل الحالية استبعدت أي رفع لسن التقاعد خلال الدورة التشريعية الحالية، إلا أنه أشار إلى أن المسألة ليست سوى مسألة وقت. فقد بات من المرجح أن يضطر المواطنون للعمل لما بعد سن الخامسة والستين، في ظل الضغوط المالية المتزايدة على نظام التأمينات الاجتماعية.
أزمة ديموغرافية تهدد التوازن
يشير الخبراء إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التوجه هو التغيّر الديموغرافي: أعداد المتقاعدين في تزايد مستمر، في حين أن أعداد الشباب الداخلين إلى سوق العمل في تراجع ملحوظ، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التقاعد بشكل يهدد قدرة الدولة على تمويل نظام الرفاه الاجتماعي.
ولمواجهة ذلك، تهدف الحكومة إلى تقريب سن التقاعد الفعلي من السن القانوني، أي أن يعمل المواطنون فعليًا حتى 65 عامًا على الأقل. ولكن، كما يوضح كُوپف، فإن نجاح هذا المسار يتطلب تغييرًا في ثقافة التوظيف لدى الشركات: “الموظفون بين 50 و55 عامًا يُقدّرون كقادة وخبراء وموجّهين. ولكن بمجرد فقدانهم لوظائفهم، يُنظر إليهم فجأة على أنهم كبار في السن ولا يُعاد توظيفهم بسهولة”.
نقاش محتدم حول “العمل أكثر”
النقاش العام تحوّل مؤخرًا إلى التركيز على العمل الجزئي، بعدما أثار وزير الاقتصاد فولفغانغ هاتمانسدورفر (من حزب الشعب ÖVP) الجدل بتصريحاته حول من يعملون بدوام جزئي بدافع “نمط الحياة”، وليس بسبب التزامات أسرية. وقال إن هذا النوع من “العمل الجزئي من أجل الراحة” يضعف الاقتصاد الوطني.
الطلب على العمل الجزئي يفوق العرض
رئيس الـ AMS كشف أن ثلثي الوظائف المعروضة في النمسا هي بدوام كامل، بينما 15% فقط معلنة كوظائف جزئية. لكن في المقابل، فإن أكثر من 22.6% من الباحثين عن عمل يفضلون العمل الجزئي، ما يعكس فجوة واضحة في سوق العمل.
ويضيف كُوپف أن النساء ما زلن يشكلن النسبة الأكبر من العاملين جزئيًا، لكن هناك توجهًا جديدًا بين الرجال، خصوصًا الآباء الشباب، لاختيار العمل الجزئي من أجل التفرغ للعائلة، حتى لو كان ذلك لشهر الأبوة فقط.
جيل جديد يطالب بـ 30 ساعة عمل أسبوعيًا
أشار كُوپف إلى فئة جديدة من الشباب المؤهلين الذين يطالبون بوظائف بدوام 30 ساعة فقط أسبوعيًا. لكنه يرى أن هذا النموذج “مبالغ في تقديره إعلاميًا”، مؤكدًا أن غالبية الناس لا يستطيعون أساسًا تحمّل تكاليف الحياة إن اعتمدوا فقط على دخل عمل جزئي.
المشكلة في النظام وليس في الناس
رفض كُوپف وصف النمساويين بـ”الكسالى”، معتبرًا أن المشكلة تكمن في النظام الضريبي والحوافز الاقتصادية، قائلاً: “إذا عملت 10 أو 20 ساعة إضافية وأحصل فقط على ثلثها كدخل صافٍ، فمن الطبيعي أن أتردد”.
خلاصة
تصريحات رئيس مكتب العمل تكشف عن تحديات بنيوية عميقة تواجه سوق العمل والنظام الاجتماعي في النمسا، وتفتح الباب أمام نقاش وطني ضروري حول مستقبل التوظيف، التقاعد، والتوازن بين الحياة والعمل، في ظل تحولات ديموغرافية واقتصادية متسارعة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار