فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
بينما يعيش مئات الآلاف من المهاجرين في النمسا، يعملون ويتزوجون وينشئون أسرهم هنا، يظل قرارهم الأخير مرتبطاً بجذورهم الأولى: أن يُدفنوا في الوطن. هذه الرغبة العميقة في العودة إلى الأرض الأم حتى بعد الموت صنعت سوقاً كبيراً ومربحاً لشركات الدفن في النمسا، التي وجدت في “الرحلة الأخيرة” مصدر دخل متزايد، وفق تقرير لمجلة profil النمساوية.
ظاهرة متنامية… وأرباح تقدر بالآلاف
تشير أرقام هيئة الإحصاء النمساوية إلى أن نحو 23% من سكان البلاد وُلدوا خارجها. ورغم اندماجهم واستقرارهم في المجتمع، يصر كثير منهم على أن يكون مثواهم الأخير في أوطانهم الأصلية.
ويكشف المتخصص في خدمات الدفن بفيينا، قادير إيتوكيولو، أن شركته نقلت جثماني شخصين أفغانيين خلال الأسبوع الماضي فقط، بتكلفة بلغت 4000 يورو لكل حالة. ويوضح أن نحو 30 شركة تعمل في هذا المجال في فيينا، لكن القليل منها يركز بشكل أساسي على ترحيل الموتى إلى الخارج — وهو قطاع يصفه بأنه “مربح للغاية”.
أسباب إنسانية ودينية وثقافية
تتراوح دوافع المهاجرين بين الروحاني والثقافي والعملي.
يقول إيتوكيولو، وهو أيضاً إمام ويتولى الطقوس الدينية قبل الدفن:
“الكثيرون يشعرون بحاجة روحية عميقة للعودة إلى أرض الميلاد. كما يخشى البعض من نظام المقابر المؤجرة في النمسا، ويفضلون مقابر تُحترم إلى الأبد”.
ففي حين أن المقابر في النمسا تدار بعقود إيجار تُجدّد، يخشى كثير من العائلات أن يتم إغلاق القبر يوماً ما — وهو أمر يعتبر محرماً ثقافياً في العديد من بلدانهم الأصلية.
رحلة بيروقراطية مكلفة
لا تقتصر التكاليف على نقل الجثمان فقط، بل تشمل سلسلة طويلة من الإجراءات:
-
جواز جثمان
-
شهادات وفاة رسمية
-
تصاريح قنصلية
-
موافقات عبور دولية
ويقول ميلان ميهايلوفيتش، صاحب شركة Drnda للدفن، إنه ينظم ما بين 12 و15 عملية نقل شهرياً — معظمها إلى دول البلقان. وتصل التكاليف الإدارية وحدها إلى 600 يورو، إضافة إلى 50 سنتاً لكل كيلومتر، وتكاليف التابوت التي قد تصل إلى 3000 يورو.
تحول تدريجي بين بعض الجاليات
رغم استمرار الظاهرة بقوة، تشير شركات الدفن إلى تغير تدريجي لدى بعض الجاليات القديمة مثل المهاجرين من يوغوسلافيا السابقة، حيث بدأ عدد متزايد منهم يبحث عن أماكن دفن داخل النمسا، نتيجة استقرار طويل الأمد وارتباط عائلي واجتماعي عميق بالبلاد.
الموت… بين الوطن والهوية
تسلّط هذه الظاهرة الضوء على علاقة المهاجرين المعقدة بالهوية والانتماء. فحتى بعد عقود من العيش في بلد جديد، يظل الحنين للوطن الأول أقوى من الجغرافيا والزمن — إلى حد أن يصبح القرار الأخير في الحياة رحلة عكسية إلى نقطة البداية.
وبينما تبقى هذه الرغبة إنسانية عميقة، تستمر شركات الدفن في تحويل “العودة الأخيرة” إلى سوق متنامٍ يدر ملايين اليورو، في مشهد يجمع بين الذاكرة والاقتصاد، وبين الحنين وروتين البيروقراطية الأوروبية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار