فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
تظل الجنازات في فيينا مشهداً تحكمه التقاليد، ورغم تسارع روح العصر وتنامي الخيارات البديلة، لا يزال الدفن التقليدي في التابوت الأكثر حضوراً بين سكان العاصمة النمساوية. فبفضل المساحات الكبيرة المتاحة داخل المقابر، تحتفظ هذه الطريقة بمكانتها الأولى منذ عقود. وتضم فيينا اليوم 55 مقبرة تشغل نحو 1.3% من مساحة المدينة، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA) – مشهد حضري يعكس عمق احترام الذاكرة والوداع في الثقافة النمساوية.
ثقافة وداع تتبدل بهدوء
لكن خلف هذه الصورة التقليدية، تنمو موجة جديدة بهدوء وثبات: حرق الجثث والدفن بالرماد. فقد وصلت هذه الطريقة عام 2024 إلى نحو 40% من إجمالي 12 ألف دفن تقريباً جرت في مقابر فيينا.
وتوضح ليزا بيرنكوف، المتحدثة باسم مقابر فيينا، أن التحول لا يعود فقط للخيارات العقائدية أو الشخصية، بل أيضاً للاعتبارات العملية:
-
المقابر التقليدية تستوعب 4 متوفين فقط
-
بينما يمكن للمقابر الخاصة بالرماد أن تضم حتى 16 شخصاً
-
كما تتطلب جهداً أقل في الصيانة والزيارة
وتضيف بيرنكوف أن ثقافة زيارة المقابر تغيّرت؛ فالناس باتوا يزورونها أقل من الماضي، ما يجعل الخيارات الأقل التزاماً بالوقت والجهد أكثر جاذبية.
العودة إلى الطبيعة: دفن بلا ضجيج ولا رخام
ضمن هذا التحول، يبرز اهتمام متزايد بـ المقابر الطبيعية، التي شكّلت نحو 5% من الدفن عام 2024. هذه المقابر توفر للأهالي راحة مختلفة:
-
لا حاجة للعناية أو تنظيف القبور
-
تكفّل إدارة المقابر بالصيانة الكاملة
-
دفن ينسجم مع البيئة والحياة الطبيعية
هذا التوجه يعكس فلسفة جديدة لدى كثيرين: العودة إلى الأرض كما جئنا منها.
زهور.. غابات.. وأكفان من الفطر
تقدّم فيينا اليوم تسعة أنواع من الدفن الطبيعي، تتراوح بين مقابر الغابات ومساحات الدفن النباتية. ومن أحدث الخيارات:
-
مقابر الزهور في Feuerhalle Simmering
التي ستستقبل 890 جرّة رماد قابلة للتحلل ابتداءً من ربيع 2026، بتصميم مستوحى من بتلات الزهور وغابات النباتات.
كما يلقى دفن الغابات إقبالاً واسعاً، حيث توجد أربع مناطق خاصة بهذا النمط داخل مقبرة Zentralfriedhof وحدها، وهي تتيح أيضاً الدفن دون حرق الجثث باستخدام توابيت من الفطر تتحلل بالكامل وتعود الى الطبيعة.
بين الماضي والمستقبل.. وداع على الطريقة الفيينية
من التوابيت ذات النقوش التقليدية إلى الجرار البيولوجية وأكفان الفطر، تُظهر فيينا كيف يمكن للتقاليد أن تتعايش مع الحداثة، وأن يجد الإنسان طريقه إلى الراحة الأبدية وفق خيارات تعكس روحه وقيمه ووعيه بالبيئة.
فمشهد الموت هنا لا يقتصر على الفراق، بل يقدّم أيضاً لوحة ثقافية تعكس تطور المجتمع واستجابته لطبيعة الحياة المعاصرة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار