فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
يعيش حزب الشعب النمساوي (ÖVP) أسوأ مراحله منذ عقود، إذ تتكشف يوماً بعد يوم أزمة بنيوية عميقة تهدد مكانته التاريخية كأكبر وأقوى الأحزاب التقليدية في البلاد، في وقت يصعد فيه اليمين المتطرف (FPÖ) بلا منافس، متقدماً في استطلاعات الرأي على المستوى الاتحادي والولائي.
وبحسب ما كشفته صحيفة derStandard، فإن الحزب يعاني من حالة تفكك داخلي وصراعات سلطوية، إلى جانب فضائح فساد، وهياكل مترهلة، وزعامة باهتة، بينما يخيّم “ظل” المستشار السابق سباستيان كورتز على المشهد، مانعاً أي محاولة للاستقرار أو إعادة البناء.
١. صراع على النفوذ.. ÖAAB يلتهم Wirtschaftsbund
تكشف “قضية Mahrer” الأخيرة حجم الشرخ داخل حزب الشعب.
فما حدث لم يكن مجرد استقالة رئيس منظمة الأعمال، بل انقلاب داخلي قادته قوات الحزب في الولايات، وخاصة حاكمتي ولايتي النمسا العليا والسفلى.
هذه الحركة أطاحت بقيادة Wirtschaftsbund لصالح اتحاد العمال (ÖAAB)، الذي بات يهيمن على الحزب بشكل شبه كامل.
الجناح المسيطر حالياً – ÖAAB – يضم المستشار الحالي Christian Stocker، وسلفه Karl Nehammer، ورئيس الكتلة البرلمانية August Wöginger.
ورغم أن Wöginger يواجه تهماً جنائية تتعلق بإساءة استخدام السلطة، فإن الحزب يتمسك به، بينما أطاح بـ Mahrer رغم أن قضيته أقل خطورة.
هذا التناقض يكشف:
-
أن الصراع داخل الحزب أصبح شخصياً أكثر منه سياسياً.
-
وأن النفوذ والأجنحة الداخلية تلعب دوراً أكبر من القيم أو المعايير الأخلاقية.
-
وأن الحزب يعيش حالة تصفيات داخلية لفرض السيطرة قبل انتخابات 2026 و2028 الحاسمة.
٢. علاقة ملغومة مع اليمين المتطرف
على المستوى الاتحادي، يعيش الحزبان – حزب الشعب وحزب الحرية اليميني FPÖ – حالة عداء مفتوح، حيث يتبادل الطرفان الهجمات يومياً.
لكن المفارقة أن خمسة من الولايات تحكم عبر تحالفات ÖVP–FPÖ تسير بتناغم كبير.
الازدواجية هنا صارخة:
-
في البرلمان: حرب كلامية واتهامات لا تتوقف.
-
في الحكومات المحلية: تعاون وثيق وتحالفات مستقرة تُقدَّم كنموذج ناجح.
هذا التناقض يعكس:
-
غياب استراتيجية واضحة داخل القيادة الاتحادية لحزب الشعب.
-
صراع أجنحة حول مستقبل العلاقات مع اليمين المتطرف.
-
خوف حقيقي من أن التعاون مع FPÖ قد يفقد ÖVP مكانته التقليدية كلحزب “الاستقرار” و”العقلانية”.
وتأتي لجنة التحقيق التي أطلقها FPÖ ضد حزب الشعب لتزيد الوضع اشتعالاً، وتعزز أجواء انعدام الثقة.
٣. حالة هلع في الولايات.. الأزرق يتقدم
تُظهر استطلاعات الرأي انهياراً شاملاً لحزب الشعب على مستوى الولايات، خاصة في:
-
النمسا العليا: يتراجع ÖVP إلى 25%، بينما يقفز FPÖ إلى 35%.
-
ستيريا: FPÖ يحصد 42% مقابل 18% فقط لـ ÖVP.
هذا الانهيار دفع حكام الولايات إلى:
-
التخلي عن المجاملات السياسية للقيادة الاتحادية،
-
وإظهار استقلالية أكبر،
-
بل وانتقاد القيادة الحالية بشكل غير مباشر.
المؤشرات كلها تؤكد أن:
الولايات لن تنتظر سقوط ÖVP على المستوى الاتحادي… بل ستبدأ بالابتعاد عنه تدريجياً للحفاظ على مواقعها.
٤. حكومة بلا رواية.. مستشار لطيف أكثر من اللازم
يحظى المستشار Christian Stocker باحترام شخصي واسع، لكنه يفشل في أداء الدور الأكثر أهمية:
قيادة سياسية واضحة وقادرة على الحسم.
حكومته الائتلافية تبدو:
-
بلا رؤية،
-
بلا أهداف مشتركة،
-
وباهتة أمام الشارع،
-
وغير قادرة على مواجهة صعود اليمين أو معالجة أزمة التضخم.
سياسة Stocker القائمة على “إرضاء الجميع” تحولت إلى:
-
حكومة بلا صوت،
-
وحزب بلا هيبة،
-
وناخبين بلا ثقة.
باختصار:
النمسا تواجه حكومة صامتة في زمن يحتاج إلى قرارات صاخبة.
٥. هياكل متصلبة وقاعدة انتخابية تتآكل
حزب الشعب اليوم فقد ميزته التاريخية كحزب “جامع”.
قاعدته الانتخابية:
-
تتقدم في العمر،
-
تنكمش في المدن،
-
وتعاني من تسرب مستمر نحو اليمين المتطرف.
وفق استطلاع Market لصحيفة STANDARD:
-
فقط 4% من الشباب (16-29 عاماً) يدعمون حزب الشعب.
-
وحتى بين من تجاوزوا 50 عاماً، تتراجع الثقة تدريجياً.
الحزب أصبح:
-
عاجزاً عن جذب الشباب،
-
منفصلاً عن المدن،
-
غارقاً في فضائح الفساد،
-
ومحاصراً بضغوط الأجنحة الداخلية.
٦. الفيل في الغرفة: سباستيان كورتز
رغم مرور سنوات على خروجه من السلطة، فإن سباستيان كورتز لا يزال يشكل عبئاً على الحزب.
فهو حاضر في الكواليس، مؤثر في الإعلام، ومتابع لتحركاته السياسية في أوروبا والولايات المتحدة.
لكن:
-
شعبيته تراجعت،
-
جزء من الحزب لم يعد يريده،
-
وأي عودة له قد تعصف بالحزب تماماً، وربما تؤدي إلى انقسام أو تأسيس حزب جديد.
المفارقة أن:
كلما ازداد تدهور الحزب، يزداد الحديث عن “عودة المنقذ”.
لكن الواقع يقول إن:
عودة كورتز قد لا تنقذ الحزب… بل قد تجهز عليه.
خلاصة: حزب ينهار من الداخل واليمين ينتظر لحظة السقوط
الصورة العامة تشير إلى أن حزب الشعب يمر بأخطر مرحلة في تاريخه الحديث:
-
صراعات داخلية،
-
فضائح متجددة،
-
قيادة بلا ملامح،
-
انهيار في الولايات،
-
صعود كاسح لليمين المتطرف،
-
وظل ثقيل لزعيم سابق لم يغادر فعلياً.
ما لم يحدث تغيير جذري ومفاجئ، فإن الحزب يسير نحو دور ثانوي في السياسة النمساوية، بعد أن كان لعقود أحد أعمدتها الرئيسية.
شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار