الخميس , 26 مارس 2026

من اللجوء إلى الصيدلية… صيادلة سوريون يداوون جراح النمسا

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

أكثر من 14 مليون سوري أُجبروا على مغادرة وطنهم بسبب الحرب الأهلية، وكان من بينهم آلاف الأكاديميين وأصحاب المهن الصحية، وعلى رأسهم الصيادلة. بعض هؤلاء لم يتوقفوا عند النجاة فحسب، بل واصلوا طريقهم الطويل حتى “خلف نهر التارا” في النمسا، حيث يساهمون اليوم في رعاية صحة المجتمع المحلي. وتمثل قصتا الصيدلانية شافين العلي وزميلها أديب كينو نموذجًا حيًا لمسار لجوء شاق انتهى باندماج مهني وإنساني ناجح.

من المظاهرات السلمية إلى “شارع الموت”

تعمل شافين العلي اليوم صيدلانية في صيدلية عامة في الحي السابع عشر بالعاصمة فيينا، لكن طريقها إلى هذا الموقع لم يكن عاديًا. تقول:
“اتصل بي عمي مذعورًا وأخبرني أن المخابرات كانت تسأل عني. أحد زملائنا اعتُقل واضطر لذكر الأسماء، وعندها أدركت أنني لا أستطيع العودة إلى البيت”.

كانت العلي طالبة صيدلة في جامعة دمشق عند اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وشاركت مع شباب آخرين في تظاهرات سلمية تطالب بالحقوق والكرامة. ومع تصاعد القصف على مدينة حمص، شاركت في تأمين الأدوية والغذاء للمدنيين المحاصرين. وتستعيد بمرارة زيارتها لأحد مستشفيات المدينة عام 2012:
“الطريق إلى المستشفى كان يُسمى شارع الموت، بسبب القناصة. لم يكن هناك أطباء تقريبًا، والعمليات الجراحية كان يجريها نجّار”.

رحلة هروب… وسجن في أوروبا

جاءها التحذير الحاسم أثناء وجودها في لبنان لتأمين أدوية لحمص. ومنها بدأت رحلة هروب قاسية عبر تركيا، ثم باريس، حيث طلبت اللجوء فور وصولها، لكنها فوجئت باعتقالها.
“عوملنا كمجرمين”، تقول، قبل أن يتمكن عمّها المقيم في ألمانيا منذ عقود من إخراجها ونقلها إلى هناك.

في ألمانيا، وجدت الأمان لكن الاعتراف بشهادتها لم يكن سهلًا، بسبب ملاحقتها من أجهزة النظام السوري. وبعد انتظار طويل، وصلت الشهادة أخيرًا، واجتازت امتحان معادلة قاسٍ، لتبدأ العمل صيدلانية. وبعد سنوات من العمل، قادها الحب إلى فيينا، حيث تعيش اليوم مع زوجها وطفليها.

قارب مطاطي… وبداية جديدة

أما أديب كينو، القادم من مدينة أعزاز قرب حلب، فكان يحلم بافتتاح صيدليته الخاصة. درس الصيدلة في رومانيا، لكنه عاد إلى سوريا قبيل انفجار الحرب.
“العودة من دولة أوروبية إلى سوريا كانت كأنك تدخل سجنًا مفتوحًا”، يقول.

بعد وفاة والدته، قرر الفرار عام 2015. من إزمير، ركب قاربًا مطاطيًا بطول ثلاثة أمتار يقل 35 شخصًا، وصولًا إلى إحدى الجزر اليونانية، ثم أكمل رحلة طويلة عبر أوروبا حتى النمسا.
في سالزبورغ، واجه صعوبات اللغة والعزلة، لكنه جعل من تعلم الألمانية أولوية، ووجد في الطهي جسرًا للتواصل، من خلال مبادرات “المطبخ السوري المؤقت” التي كسرت الحواجز مع المجتمع المحلي.

الاندماج… لغة وعمل ومسؤولية

عمل كينو في تدريبات داخل صيدليات نمساوية، ثم في مستودع دوائي، قبل أن يحصل على وظيفة دائمة في صيدلية عامة ببلدة شتراسبالخن.
“اللهجة المحلية كانت الأصعب”، يقول مازحًا، “كنت أحتاج مترجمًا أحيانًا”.

يرى كينو أن اللغة والعمل هما مفتاحا الاندماج الحقيقي، بينما تشير العلي إلى أن الفوارق الثقافية والدينية قد تشكل تحديًا، لكنها لا تمنع النجاح. كما ينتقد كينو الصورة النمطية عن اللاجئين:
“بعد هجوم فيلاخ الإرهابي، كان سوري آخر هو من أوقف المهاجم وخاطر بحياته، لكن ما بقي في الإعلام أن الفاعل سوري”.

سوريا… بين الأمل والقلق

يختلف الصيدلانيان في تقييم مستقبل سوريا. كينو متفائل بإمكانية التعايش مجددًا، بينما تبدي العلي قلقها من الحكومة الجديدة:
“سقوط الأسد كان حلمًا، لكن فرحتي لم تدم. لم نخرج من أجل استبدال الديكتاتورية بتطرف ديني، والدستور الجديد لا يذكر كلمة ديمقراطية”.

ورغم كل شيء، تؤكد قصتاهما أن اللجوء ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لمسار جديد، حين يقترن بالإرادة، والتعليم، والاستعداد للمشاركة الإيجابية في المجتمع.


🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

ترامب يعلق ضربات الطاقة الإيرانية مؤقتاً وسط تضارب التصريحات وخشية من تصعيد إقليمي

في مشهد يعكس تشابك الأزمات في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراء ما وصفه بـ«محادثات جيدة وبنّاءة للغاية» مع إيران، في خطوة مفاجئة

error: Content is protected !!