فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
أثار اعتذار وزير المالية النمساوي ماركوس مارترباور للمسلمين عن سياسة “صفر تسامح” التي يروّج لها شريكه في الحكومة، حزب الشعب النمساوي (ÖVP)، عاصفة سياسية وإعلامية واسعة، وفتح شرخًا واضحًا داخل الائتلاف الحاكم. ووصفت مجلة profil النمساوية هذه الخطوة بأنها “لافتة واستثنائية” لما تحمله من دلالات سياسية وأيديولوجية عميقة.
منشور أشعل الأزمة
بداية الأزمة كانت مع منشور نشره حزب ÖVP على منصة إنستغرام، تساءل فيه:
«هل تعلم أن ثلثي الناس يشعرون بصعوبة التعايش مع المسلمين؟»
وأتبع الحزب ذلك بعبارة: «الأرقام تتحدث عن نفسها»، ثم ختم المنشور بشعار حملته السياسية: «الاندماج ليس عرضًا، بل هو واجب».
استند الحزب في طرحه إلى استطلاع رأي تمثيلي أجراه صندوق الاندماج النمساوي (ÖIF)، غير أن طريقة عرض النتائج فجّرت غضبًا داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ)، الشريك في الائتلاف، باعتبارها تعميمًا خطيرًا يضع مئات الآلاف من المسلمين في خانة الشبهة.
أسئلة محرجة لحزب الشعب
المنشور أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية:
هل يقصد حزب الشعب بسياسة “صفر تسامح” جميع المسلمين في النمسا، والبالغ عددهم نحو 800 ألف شخص؟
وهل يفترض الحزب أن الغالبية العظمى منهم غير مندمجة؟
ولماذا يقوم حزب يتولى ملف الاندماج منذ عام 2011، وتديره حاليًا وزيرة الاندماج كلوديا بلاكولم، بطمس الفارق بين الإسلاميين المتطرفين والغالبية الساحقة من المسلمين الذين يعيشون حياتهم كمواطنين عاديين؟
“نحن لسنا هكذا”
في رد غير مسبوق، خرج وزير المالية مارترباور عن صمته ووجّه اعتذارًا علنيًا عبر منصة BlueSky، قال فيه:
«تعاطفي موجه، على سبيل المثال، إلى الزملاء والزميلات من البوسنة الذين فروا من الحرب إلى النمسا، ويعملون هنا منذ عقود كأعمدة للنظام في التمريض، المستشفيات، التجارة أو الصناعة، يدفعون الضرائب ويربّون أطفالهم، ثم يضطرون لقراءة مثل هذا الكلام. أعتذر! نحن لسنا هكذا».
ولم يكتفِ بذلك، بل أعاد نشر تعليق لأحد المستخدمين خاطب فيه حزب الشعب قائلًا:
«أنتم تحاولون عمدًا إثارة الاستياء ضد جميع المسلمين. متى ستندمجون أخيرًا مع حزب الحرية (FPÖ)؟»
جبهة اشتراكية في مواجهة ÖVP
هذا الموقف عزّز انقسام الائتلاف، إذ قام نائب المستشار ورئيس SPÖ أندرياس بابْلر بمشاركة منشور وزير المالية، في إشارة واضحة إلى تبنّي الخط نفسه. كما انضم عمدة فيينا ميشائيل لودفيغ إلى الجبهة المنتقدة، مؤكدًا أن:
«السياسة المسؤولة لا تضع الناس تحت الاشتباه العام ولا تُشعل النزاعات عمدًا».
بهذا، تجاوز مارترباور دوره التقليدي كخبير مالي هادئ، ودخل عن قصد ما وصفته profil بـ”حقل ألغام سياسي”، ليؤكد أنه ليس مجرد تكنوقراط، بل سياسي يمتلك رؤية واضحة للمجتمع والهوية والتعايش.
كسر “ميثاق الصمت”
اللافت أن مارترباور اختار ملف الإسلام والاندماج تحديدًا لكسر ما يشبه “ميثاق عدم الاعتداء” الأيديولوجي داخل الحكومة. فداخل SPÖ يتصاعد منذ فترة طويلة غضب الجناح اليساري من السياسات المتشددة التي وافق عليها الحزب، مثل:
-
وقف لمّ شمل الأسر من سوريا
-
حظر الحجاب حتى سن 14 عامًا
-
التعاون في ملف الترحيل مع طالبان
دعم الحزب لهذه السياسات جاء، بحسب مراقبين، تحت ضغط التحول العام في المزاج السياسي نحو اليمين، والخشية من خسارة الرأي العام. غير أن منشور وزيرة الاندماج بلاكولم كان – وفق توصيف المجلة – القشة التي قصمت ظهر البعير.
فيينا.. واقع مختلف
ذكّر مارترباور في موقفه بحقيقة أن النمسا بلد هجرة، وهي حقيقة تتجلى بوضوح في فيينا، حيث تشكّل الثقافة الإسلامية جزءًا من النسيج الاجتماعي منذ عقود. وتشير المعطيات إلى أن 41% من طلاب المدارس الإلزامية في فيينا مسلمون، ما يجعلهم اليوم أكبر مجموعة دينية في هذا القطاع.
لذلك، جاء الترحيب بموقف وزير المالية واسعًا داخل SPÖ في فيينا، وكذلك من غرف العمال والنقابات، وهي دوائر ينتمي إليها سياسيًا وفكريًا.
انقسام داخل الحزب الاشتراكي
في المقابل، لا يخلو SPÖ نفسه من انقسام؛ ففي بعض الولايات، مثل كيرنتن، أظهر استطلاع داخلي أن 81% من أعضاء الحزب يطالبون بسياسة لجوء أكثر تشددًا. هذا الجناح لا يحتفل علنًا بموقف مارترباور، ويفضّل التركيز على نتائج استطلاع ÖIF التي تشير إلى صعوبة التعايش مع المسلمين.
أي إسلام تقصده السياسة؟
تشير profil إلى نقطة إشكالية في خطاب وزير المالية، إذ اختار مثال المسلمين البوسنيين، وهم من أكثر الجاليات اندماجًا وعلمانية في النمسا. والسؤال المطروح: هل تشعر هذه الفئة أصلًا بأنها مستهدفة بمنشورات ÖVP؟
في المقابل، تعززت الصورة السلبية للإسلام في النمسا بسبب فئات صغيرة من موجات لجوء لاحقة من دول مثل أفغانستان، الشيشان، سوريا، العراق أو الصومال، حيث يظهر الإسلام المحافظ أو المتطرف بشكل أوضح. غير أن هذه الفئات تبقى أقلية مقارنة بالغالبية المسلمة.
بين التعميم والتمييز
هنا يكمن جوهر الخلاف:
حزب الشعب يعامل الإسلام كـ”مشكلة عامة”، بينما يحاول مارترباور التذكير بأن الإسلام في النمسا متعدد الأوجه، وأن التعميم لا يخدم الاندماج، بل يغذّي الانقسام ويمنح اليمين المتطرف ذخيرة سياسية.
ما بعد العاصفة
يبقى السؤال الأهم: ماذا ستفعل الحكومة بعد هذه الأزمة؟
هل ستواصل استخدام استطلاعات رأي مبسّطة في قضايا شديدة الحساسية؟
أم ستتجه إلى نقاش أعمق يحدد بوضوح ما هو الإشكال الحقيقي في التعايش، وما ليس كذلك؟
في بلد هجرة مثل النمسا، ومع الانزياح المتسارع نحو اليمين في أوروبا، تبدو مواجهة هذه الأسئلة أمرًا لا مفر منه – سواء في البرلمان، أو الحملات الانتخابية، أو حتى على إنستغرام.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار