في البدء كان الكرسي…
ثم جلس عليه رجل،
ثم صدّق الرجل أنه الوطن،
وصدّق من حوله أن الوطن لا يقوم إلا بجلوسه،
ومنذ تلك اللحظة دخلنا عصر الشياطين الرسمية.
يقول أحد الآباء – ممن لم يتعلّموا السياسة لكنهم فهموا الحياة – إن الشياطين ثلاثة:
شيطان يخاف من آية الكرسي،
وشيطان يخاف على الكرسي،
وشيطان يصفّق لمن يجلس على الكرسي.
أما نحن، فقد طوّرنا النظرية وأضافنا إليها وزارة، وهيئة، وقناة فضائية.
النوع الأول: شياطين النصوص
هؤلاء يرتعدون كلما سمعوا آية أو قيمة أو مبدأ،
ليس لأنهم مؤمنون،
بل لأن النص يفضحهم،
والعدل يعرّيهم،
والحق لا يجيد المجاملة.
تراهم يرفعون المصحف في الخطاب،
ويغلقون السجون في الواقع،
ويكثرون من ذكر الله…
لكنهم ينسونه تمامًا عند توقيع الأوامر.
النوع الثاني: شياطين الحراسة
وهم الأخطر.
لا يخافون على الوطن،
بل على الكرسي.
لا يرون في الدولة شعبًا،
بل مقعدًا يجب أن يبقى دافئًا
ولو احترق كل شيء حوله.
هؤلاء مستعدون لحرق الدستور باسم الاستقرار،
وتمزيق القانون باسم الأمن،
وسحق الإنسان باسم الدولة.
الكرسي عندهم ليس أداة حكم،
بل صنمًا سياسيًا
يُقدَّم له الولاء، وتُذبح عند أقدامه الحقيقة.
النوع الثالث: شياطين التصفيق (وهم الأكثر عددًا)
هؤلاء لا يحكمون،
لكنهم يجعلون الحكم ممكنًا.
لا يقتلون،
لكنهم يبرّرون القتل.
لا يسرقون،
لكنهم يصفّقون للسارق حتى يصدّق أنه أمين.
خبير ساخر في “علم التصفيق السلطوي” يقول – لو سُمح له بالكلام –
إن المطبلاتي لا يعيش بلا حاكم،
كما لا يعيش الطفيلي بلا جسد.
فهو لا يؤمن بالرأي،
بل بالراتب،
ولا يعرف المبدأ،
بل يعرف من يدفع.
حين يصبح التصفيق سياسة
في جمهورية الكرسي العظيم،
لا تُقاس الشرعية بالانتخابات،
بل بعدد المصفقين في الصف الأول.
ولا تُقاس الإنجازات بالنتائج،
بل بحجم العناوين.
ولا يُسأل الحاكم عمّا فعل،
بل يُشكر على ما لم يفعله.
وإذا صمت الشعب،
قالوا: هذا رضا.
وإذا تكلّم،
قالوا: هذا تخريب.
وإذا طالب بحقه،
قالوا: عميل.
أما الكرسي…
فمقدّس، لا يُسأل، ولا يُمسّ، ولا يُحاسَب.
الخلاصة التي لا تُصفَّق
الطغيان لا يسقط حين يموت الحاكم،
بل حين يتوقف التصفيق.
وحين يفهم الناس أن الكرسي لا يصنع وطنًا،
وأن الأوطان لا تُدار بالأكف،
بل بالعقول والضمائر.
أما الشياطين؟
فسيبقون…
طالما بقي من يصفّق
ومن يخاف
ومن يعبد الكرسي أكثر مما يحترم الإنسان.
وعجبي… كل العجب
من شياطين تخاف من آية،
ولا تخاف من شعب.
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار