السبت , 4 أبريل 2026

العدو الذي يسكن الكرسي… لا الذي يقف خلف الحدود

أخطر خدعة استقرت في وعينا الجمعي لم تكن رواية تاريخية ولا هزيمة عسكرية، بل فكرة بسيطة جرى تكرارها حتى تحولت إلى يقين: أن “العدو الأول” يقف دائمًا خلف الحدود.

بينما الحقيقة الأكثر إيلامًا أن العدو الحقيقي في كثير من بلدان العالم العربي والشرق الأوسط لا يعبر الحدود أصلًا… بل يجلس على الكرسي، يوقّع القرارات، ويقص الشريط الأحمر لمشاريع لا تعمل.
فـ بينما انشغلنا طويلًا برفع أصابع الاتهام إلى الخارج، غاب عنا أن العدو الحقيقي في كثير من بلدان العالم العربي والشرق الأوسط لم يحتج يومًا إلى عبور الحدود… لأنه يجلس أصلًا على الكرسي، يوقّع القرارات، ويقصّ الأشرطة الحمراء لمشاريع لا تعمل.

أقنعونا أن إسرائيل هي أصل البلاء، وكأن الفقر الذي ينهش أحياءنا وصل بتأشيرة دخول، أو أن الجهل الذي يتكاثر في مدارسنا هبط بمظلة من السماء. قيل لنا إن كل ما نعانيه هو نتيجة مؤامرة خارجية، حتى بتنا نرى في الخارج تفسيرًا جاهزًا لكل عجز داخلي، وفي العدو البعيد شماعة مثالية نعلّق عليها أخطاءنا القريبة.

المفارقة القاسية أن إسرائيل، وهي دولة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين، تحولت في خطابنا إلى تفسير شامل لكل إخفاق، بينما نحن — مئات الملايين — نقف في مواجهتها نهتف ونشجب ونندد، ثم نعود إلى بيوتنا التي تنقطع عنها المياه والكهرباء. هناك تُدار الخلافات حول نسب الضرائب، وهنا تدور معاركنا حول امتلاك الحقيقة المطلقة ومفاتيح الجنة. هناك يتنافسون في عدد براءات الاختراع، وهنا نتبارى في عدد الخطب النارية.

في مكانٍ ما تُموَّل المختبرات، وفي مكانٍ آخر تُموَّل لجان التطبيل. هناك تُكرَّم العقول، وهنا تُكرَّم الصور المعلقة في كل زاوية. علماؤهم يحصدون الجوائز، وعلماؤنا يحصدون تأشيرات الهجرة. شوارعهم تُغسل بالماء، وشوارعنا تُغسل بالشعارات. هم يبنون اقتصادًا، ونحن نبني رواية بطولية عن “الصمود” بينما لا نصمد أمام انقطاع الإنترنت.

هكذا تحولت الكراهية إلى سلعة سياسية رخيصة، تُوزَّع مجانًا لشحن الجماهير وإعفاء السلطة من أي مساءلة. فما أسهل أن تُرفع لافتة “العدو الخارجي”، وما أصعب أن يُقال بصدق: مشكلتنا في أنظمة أتقنت صناعة الأعداء أكثر مما أتقنت صناعة الخبز.

هذه الأنظمة لم تكتفِ بإدارة الفشل، بل أبدعت في إعادة تعريفه؛ فحوّلت العجز إلى بطولة، والقمع إلى ضرورة، والتأخر إلى مؤامرة. أنظمة تخاف من كتاب أكثر مما تخاف من دبابة، وترتعد من جامعة حرة أكثر مما ترتعد من جيش معادٍ. فيها تُفتح الميزانيات بسخاء لأجهزة المراقبة، وتُغلق بإحكام أمام البحث العلمي. يُكافأ المصفّق، ويُهمَّش المبدع، ويُخوَّن الناقد، بينما يُقدَّس الفاشل إن كان “وفيًّا”.

ومع مرور الوقت، ترسخت منظومة قيم مقلوبة: صار الولاء أهم من الكفاءة، والصمت أضمن من التفكير، والركوع أسلم من السؤال. ولم يعد المواطن مشروع طاقة، بل مشروع شبهة.

لكن الحقيقة التي يصعب الهروب منها هي أن حالنا لن يتغير بالدعاء على الآخرين أو الشتائم العابرة للحدود. الذي يغيّر الواقع هو العلم الذي نخاصمه حين يزعج الخرافة، ونخنقه حين يفضح الرداءة، ونهمشه حين يطالب بالحرية. فالأمم لا تسقط لأن أعداءها أقوياء، بل لأنها تصرّ على تجاهل أسباب ضعفها.

وهنا تبرز مفارقة لا يحب كثيرون سماعها: في منطقة يثقلها الاستبداد، تبدو إسرائيل — رغم كونها خصمًا سياسيًا وتاريخيًا — دولة تُدار عبر مؤسسات أكثر مما تُدار عبر أفراد. فيها انتخابات دورية تُسقط حكومات وتأتي بأخرى، ورؤساء وزراء يمثلون أمام القضاء، ووزراء يدخلون السجن بقرارات قضائية، ومحكمة عليا تستطيع إلغاء قرارات الحكومة، وصحافة تنتقد دون خوف من طرقٍ ليليٍّ على الأبواب.

أما في كثير من بلداننا، فالزعيم لا يُسأل، والبرلمان يصفّق، والقضاء ينتظر التعليمات، والصحافة تتقن فن المديح أكثر مما تتقن التحقيق. هناك يُحاسَب المسؤول لأنه أخطأ، وهنا يُكافأ لأنه “وفيّ”. هناك تُدار الخلافات داخل المؤسسات، وهنا تُدار الدول بعقلية المزرعة الخاصة.

لهذا لا تكره أنظمة الاستبداد هذا النموذج لأنه عدو خارجي فحسب، بل لأنه يفضحها؛ لأنه يذكّر شعوبها بما يمكن أن تكون عليه الدول عندما تُحكم بالقانون لا بالمزاج، وبالمؤسسات لا بالأفراد، وبالكرامة لا بالحقرة.

والحقيقة التي يصعب الاعتراف بها: المشكلة ليست دائمًا في العدو الذي خلف الحدود… بل في الذي نراه كل يوم… ولا نجرؤ على تسميته. ونتظاهر بأننا لا نراه.

رمضان إسماعيل

تحقق أيضًا

الفيسبوك منصة أم مقصلة رقمية؟ قصة حظر حسابى بسبب الرأي

لم يكن حسابي على فيسبوك مجرد مساحة رقمية عابرة، بل كان وطناً صغيراً يختزن سنوات من الذاكرة والتعب والرأي. هناك، بين منشورٍ وآخر، تركتُ شيئاً من قلبي

error: Content is protected !!