الخميس , 26 مارس 2026

من منصة العدالة إلى منصة الطاعة: كيف تغوّلت السلطة التنفيذية على القضاء في مصر؟

فيينا – شبكة رمضان الإخبارية

لم يعد تراجع بعض القضاة أمام الحاكم المستبد مجرد انحرافات فردية يمكن احتواؤها أو تفسيرها بسياقات شخصية أو ضغوط ظرفية، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية تعكس تحولًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين السلطات داخل الدولة. ففي الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى القضاء باعتباره الحصن الأخير للمجتمع، والسدّ الذي يمنع تغوّل السلطة التنفيذية، نشهد اليوم واقعًا مختلفًا: حصن العدالة ذاته بات عرضة للاختراق، بل ولإعادة التشكيل بما يتناسب مع إرادة السلطة الحاكمة.

في مصر، خصوصًا منذ صعود نظام عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يتعرض القضاء لضغوط؟ بل: إلى أي مدى تمّت إعادة هندسة القضاء ليصبح جزءًا من منظومة الحكم بدل أن يكون رقيبًا عليها؟

من استقلال القضاء إلى “مواءمته”

التدخل في القضاء لم يبدأ فجأة، بل جاء عبر مسار تراكمي اتخذ أشكالًا متعددة:

  • إعادة تشكيل الهيئات القضائية عبر تعديلات دستورية وتشريعية منحت السلطة التنفيذية نفوذًا غير مسبوق في اختيار رؤساء الجهات القضائية.

  • توسيع المحاكم الاستثنائية وتقليص دور القضاء الطبيعي.

  • تسييس التعيينات والترقيات بما يخلق بيئة وظيفية تعاقب الاستقلال وتكافئ الولاء.

لم تعد المسألة مرتبطة بقاضٍ خضع لضغط أو أصدر حكمًا مثيرًا للجدل، بل ببنية مؤسسية أصبحت تجعل الاستقلال مخاطرة مهنية، وربما وجودية.

القضاء كوظيفة سياسية

عندما يُناقش نقد القضاة – سواء بعد وفاتهم أو أثناء حياتهم – غالبًا ما يُدفع النقاش إلى زوايا أخلاقية أو دينية، باعتبار أن القاضي “هيبة” لا يجوز المساس بها. لكن الحقيقة أن النقد هنا ليس شخصيًا بقدر ما هو وظيفي.

القاضي ليس مجرد فرد، بل هو حامل لدور:
➡️ حماية المجتمع من تغوّل السلطة التنفيذية
➡️ فرض سيادة القانون على الحاكم قبل المحكوم
➡️ ضمان التوازن بين مؤسسات الدولة

وعندما يتحول هذا الدور إلى أداة في يد السلطة، فإن النقد يصبح ضرورة سياسية ومجتمعية، لا خروجًا على الاحترام.

كيف يتجلى التغوّل؟

تجلّى تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء في مصر عبر عدة مظاهر واضحة:

1. السيطرة على مفاصل القرار القضائي

أصبح اختيار رؤساء الهيئات القضائية يتم عمليًا بإرادة السلطة التنفيذية، بعد أن كان قائمًا على مبدأ الأقدمية، وهو ما أنهى أحد أهم ضمانات الاستقلال المؤسسي.

2. الأحكام ذات الطابع السياسي

تزايدت الأحكام التي تحمل طابعًا سياسيًا واضحًا في قضايا تتعلق بالمعارضة أو المجال العام، مما رسّخ انطباعًا بأن القضاء لم يعد حكمًا بين السلطة والمجتمع، بل طرفًا ضمن معادلة السلطة.

3. تراجع الحماية القانونية للمجتمع

في اللحظة التي يصبح فيها القضاء عاجزًا عن وقف قرارات تنفيذية تمس الحقوق والحريات، يتحول من “حاجز” إلى “ممر”.

النتيجة: انهيار وظيفة القضاء

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صدور أحكام قاسية أو مثيرة للجدل، بل في انهيار الوظيفة التاريخية للقضاء:

لم يعد القضاء مانعًا لتغوّل السلطة التنفيذية، بل أصبح أحد أدواتها.

وهنا تتجاوز المسألة الإطار القانوني لتصبح مسألة سياسية ومجتمعية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. لأن غياب قضاء مستقل لا يعني فقط غياب العدالة، بل يعني غياب أي آلية سلمية لضبط السلطة.

ما جناه هذا التحول

عندما يفقد القضاء استقلاله:

  • تفقد الدولة توازنها المؤسسي

  • يفقد المواطن ثقته في العدالة

  • يتحول القانون إلى أداة ضبط لا أداة إنصاف

والأخطر أن المجتمع يصبح بلا ملاذ، لأن الحصن الأخير الذي كان يُعوَّل عليه لم يعد قائمًا.

إن نقد هذا المسار لا يستهدف أشخاصًا بقدر ما يستهدف بنية سلطوية أعادت تعريف القضاء من سلطة مستقلة إلى جهاز ضمن منظومة الحكم. وهو تحول لا يهدد القضاة فقط، بل يهدد فكرة الدولة القانونية ذاتها.

🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.

تحقق أيضًا

ترامب يعلق ضربات الطاقة الإيرانية مؤقتاً وسط تضارب التصريحات وخشية من تصعيد إقليمي

في مشهد يعكس تشابك الأزمات في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراء ما وصفه بـ«محادثات جيدة وبنّاءة للغاية» مع إيران، في خطوة مفاجئة

error: Content is protected !!