فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
بدأت الحرب على إيران، وبدأ معها أخطر اختبار جيوسياسي يواجه الشرق الأوسط منذ عقود، اختبار لا يتعلق بحدود دولة أو برنامج عسكري بعينه، بل بمستقبل النظام الإقليمي نفسه. ما يجري لا يمكن توصيفه باعتباره ضربة محدودة أو جولة تصعيد عابرة ضمن قواعد الاشتباك التقليدية التي اعتادت المنطقة على احتوائها. للمرة الأولى يظهر التنسيق العسكري العلني والمباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل بهذا الشكل الصريح، ليس كدعم سياسي أو استخباري كما حدث في حروب سابقة، تحالف عسكري كامل… معلن… ومصمم لتحقيق هدف وشراكة عملياتية متزامنة في مسرح واحد وبهدف واضح يتجاوز الردع إلى إعادة تشكيل التوازن.
حجم التحشيد العسكري الذي سبق الضربات يكشف طبيعة اللحظة. انتشار عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في قواعد رئيسية بالمنطقة، وتمركز حاملات طائرات ضمن نطاق عمليات قريب، وحضور مئات الطائرات الهجومية والمدمرات البحرية المزودة بمنظومات صاروخية متقدمة، كلها مؤشرات لا ترتبط بعملية جراحية محدودة بقدر ما تعكس استعدادًا لاحتمال الانزلاق إلى مواجهة ممتدة. اللافت أن هذه التحركات جرت بالتوازي مع غطاء دبلوماسي كثيف، حيث كانت الوساطات الإقليمية تتحدث عن تقدم في مسارات التهدئة النووية قبل ساعات فقط من بدء الضربات، في مشهد يعكس أن المسار العسكري لم يكن بديلاً للدبلوماسية بل تحركًا يجري فوقها وربما مستفيدًا من غطائها الزمني.
مع بدء القصف، لم تقتصر الأهداف على المنشآت أو البنية الدفاعية، بل امتدت التقارير إلى الحديث عن استهداف شخصيات قيادية، وهو ما يشير إلى أن المعركة لا تركز فقط على تقويض القدرات العسكرية بل على إرباك منظومة اتخاذ القرار نفسها. هذا النمط من العمليات يوحي بمحاولة إحداث شلل مزدوج: إضعاف القوة الصلبة من جهة، وإرباك مركز القيادة السياسية والعسكرية من جهة أخرى، بما يفتح المجال أمام تغيير أعمق في ميزان القوة الداخلي والخارجي.
الرد الإيراني جاء سريعًا وحمل دلالة استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر. إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، بالتوازي مع استهداف قواعد أمريكية في أكثر من دولة خليجية، يعكس عودة واضحة إلى العقيدة الإيرانية القائمة على توسيع نطاق الاشتباك بدل حصره. الرسالة هنا ليست انتقامية فقط، بل ردعية أيضًا، ومفادها أن أي حرب ضد إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، وأن تكلفة المواجهة سترتفع لتشمل المجال الإقليمي بأكمله.
هذا التوسع في الرد يعكس حقيقة أساسية وهي أن المواجهة لم تعد ثنائية بين دولتين، بل أصبحت مواجهة بين إيران وشبكة عسكرية ممتدة، تشمل قواعد وتمركزات ولوجستيات عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تتحول أي ضربة إلى حدث متعدد المسارح، لا يمكن فصله عن أمن الطاقة العالمي أو استقرار طرق الملاحة أو توازنات الأسواق الدولية. الارتفاع الفوري في أسعار النفط والاضطراب الذي أصاب الأسواق يعكسان أن الحرب بدأت بالفعل تُترجم إلى تداعيات اقتصادية عالمية قبل أن تتضح نتائجها العسكرية.
في العمق، لا يبدو أن الهدف يقتصر على تحجيم برنامج صاروخي أو تعطيل منشآت محددة، بل يرتبط بمنع تشكل قوة إقليمية قادرة على فرض معادلة ردع مستقلة خارج المظلة الدولية. إيران التي سعت خلال السنوات الماضية إلى ترسيخ موقعها كفاعل إقليمي يمتلك أدوات تفاوضية قائمة على القوة الصلبة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار يتجاوز قدراتها العسكرية ليطال شكل الدولة نفسها ومستقبل دورها.
اللحظة الحالية تفتح الباب أمام مسارات متعددة، لكنها تشترك جميعًا في حقيقة واحدة: أن ما يحدث لن يتوقف عند حدود إيران. فإذا نجحت الضربات في إحداث تغيير جذري في بنية السلطة أو القدرات، فإن سابقة إسقاط توازن إقليمي بالقوة العسكرية المباشرة ستعيد تعريف قواعد الصراع في الشرق الأوسط. أما إذا تمكنت إيران من امتصاص الضربة والبقاء، فمن المرجح أن تخرج بعقيدة أكثر تشددًا واندفاعًا نحو تعزيز أدوات الردع، ما سيؤسس لدورة صراع جديدة أكثر تعقيدًا.
المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بمن بدأ المواجهة، بل بمن يمتلك القدرة على إنهائها دون أن تنزلق إلى صدام إقليمي واسع. ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية، بل اختبار لإعادة رسم ميزان القوة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة، اختبار ستتحدد على أساس نتائجه طبيعة النظام الإقليمي المقبل، وحدود الردع، وشكل الصراعات القادمة.
تحشيد غير مسبوق… يشير إلى ما هو أبعد من الضربة
المعطيات العسكرية التي سبقت الهجوم تعكس استعدادًا لحرب مفتوحة لا لعملية محدودة:
-
نحو 30 ألف جندي أمريكي موزعين على خمس قواعد رئيسية في المنطقة
-
حاملتا طائرات في نطاق عمليات قريب
-
ما يقارب 300 طائرة هجومية متعددة المهام
-
19 مدمرة بحرية مزودة بمنظومات صواريخ متقدمة
هذا الحجم من الانتشار لا يُستخدم لإرسال رسالة ردع فقط، بل لفرض واقع ميداني جديد إذا تطلب الأمر.
الأكثر حساسية أن هذه التحركات جرت تحت غطاء دبلوماسي كثيف.
كانت سلطنة عمان تقود وساطة هادئة، وتصريحات التهدئة النووية صدرت قبل ساعات فقط من بدء الضربات.
ثم… بدأ القصف.
انفجارات سُمعت في محيط طهران ومدن أخرى، وسط تقارير عن استهداف:
-
مواقع نووية
-
منصات صواريخ
-
قواعد دفاع جوي
الإعلام الإسرائيلي تحدث أيضًا عن ضربات نوعية استهدفت قيادات عليا، مع تداول أنباء غير مؤكدة حول إصابة شخصيات بارزة مثل علي شمخاني.
مجرد طرح هذه الأسماء يكشف طبيعة المرحلة:
لم تعد الحرب حرب منشآت فقط… بل حرب قيادة.
الكاتب – رمضان إسماعيل
🔹 شبكة رمضان الإخبارية – فيينا
أول منصة عربية مستقلة تهتم بشئون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار، وتواكب التطورات السياسية والاجتماعية، وتغطي الفعاليات العربية، وتعمل على تعزيز الاندماج الإيجابي وتقديم محتوى تحليلي موثوق باللغة العربية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار