فيينا – شبكة رمضان الإخبارية
في كل مرة تُطرح فيها الأزمة الاقتصادية في مصر، يتكرر السؤال ذاته: هل نحن أمام دولة فقيرة بالفعل، أم أمام دولة غنية بالإمكانات لكنها تعاني من خلل في الإدارة؟
هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لفهم جوهر الأزمة التي يعيشها أكثر من 100 مليون مواطن. المقارنة مع تجارب دولية كبرى، مثل تجربة الصين، تكشف بوضوح أن المشكلة لا تكمن في عدد السكان، بل في كيفية إدارة هذا العدد. فالصين، التي تضم ما يقارب مليارًا ونصف المليار إنسان، لم ترَ في الكثافة السكانية عبئًا، بل اعتبرتها وقودًا للنمو، ومحركًا للإنتاج، وأساسًا لتفوقها الصناعي والتجاري عالميًا.
في المقابل، تُطرح الكثافة السكانية في مصر غالبًا باعتبارها أزمة مزمنة، تُستخدم لتفسير الإخفاقات الاقتصادية، وتبرير الضغوط المعيشية المتزايدة. لكن هذا التفسير، وفق العديد من الخبراء الاقتصاديين، يتجاهل جوهر القضية: المشكلة ليست في عدد السكان، بل في غياب منظومة فعالة لتحويلهم إلى قوة إنتاجية.
المفارقة اللافتة أن المواطن المصري يثبت كفاءته حين يعمل خارج البلاد. في بيئات تعتمد على الكفاءة وتكافؤ الفرص، ينجح المصري في مختلف القطاعات، من الطب والهندسة إلى التجارة والصناعة. هذا النجاح الخارجي يطرح تساؤلًا منطقيًا: لماذا لا تتكرر نفس النتائج داخل مصر؟
يرى خبراء في اقتصاد التنمية أن الإجابة تكمن في البيئة المؤسسية. فالإنتاج لا ينمو في فراغ، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تعليمًا مرتبطًا بسوق العمل، وسياسات صناعية واضحة، ومناخًا استثماريًا قائمًا على العدالة والشفافية.
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت السياسات الاقتصادية في مصر إلى التوسع في مشروعات كبرى ذات طابع بنيوي، مثل الطرق والبنية التحتية. ورغم أهمية هذه المشروعات على المدى الطويل، فإن الانتقادات تتركز على غياب التوازن بينها وبين دعم القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة.
يقول أحد الباحثين في الاقتصاد السياسي إن “الاقتصاد لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بقدرته على توليد قيمة مضافة مستدامة”. بمعنى آخر، الإنفاق وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى إنتاج فعلي وفرص عمل مستقرة.
أحد أبرز أوجه الخلل يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فالنظام التعليمي، بحسب تقارير دولية، لا يزال يعتمد على الحفظ والتلقين، بدلًا من تنمية المهارات التطبيقية والإبداعية.
هذا الخلل يؤدي إلى نتيجة مزدوجة: بطالة بين الشباب من جهة، ونقص في العمالة الماهرة من جهة أخرى. وهي معادلة تعكس سوء توظيف الموارد البشرية، لا نقصها.
في ظل ضعف الإنتاج المحلي، يزداد الاعتماد على الاستيراد، ما يضغط على العملة المحلية ويرفع معدلات التضخم. وهنا يدخل المواطن في حلقة مفرغة: ارتفاع الأسعار يقابله دخل محدود، فيتراجع الاستهلاك، ما يؤثر بدوره على النشاط الاقتصادي.
هذه الدائرة، وفق محللين اقتصاديين، هي نتيجة طبيعية لاقتصاد لا يمنح أولوية كافية للإنتاج والتصدير، ولا يستثمر بشكل كافٍ في الصناعات القادرة على المنافسة العالمية.
في الوقت الذي يطالب فيه الخطاب الرسمي المواطنين بالصبر وتحمل الأعباء، يظل السؤال المركزي بلا إجابة واضحة: متى ينعكس هذا الصبر على تحسن ملموس في مستوى المعيشة؟
تجارب دول مثل الصين لم تعتمد على الخطاب فقط، بل على خطط واضحة قائمة على التصنيع، والتصدير، وخلق فرص العمل. لم يُطلب من المواطن الانتظار دون مقابل، بل تم دمجه تدريجيًا في عملية الإنتاج، ليصبح شريكًا في النمو، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
تمتلك مصر مقومات لا يمكن تجاهلها: موقع جغرافي استراتيجي، سوق كبيرة، موارد بشرية شابة، وبنية تحتية في تطور مستمر. لكن هذه المقومات، في غياب إدارة اقتصادية تضع الإنتاج في صدارة الأولويات، تظل طاقات كامنة غير مستغلة.
التحول الحقيقي لا يتطلب معجزات، بل إعادة ترتيب الأولويات: دعم الصناعة، ربط التعليم بالإنتاج، تشجيع الاستثمار الحقيقي، وخلق بيئة اقتصادية عادلة تتيح للمواطن أن يكون منتجًا لا مجرد مستهلك.
مصر ليست دولة فقيرة بالمعنى الحقيقي، لكنها تعاني من فقر في إدارة مواردها، وعلى رأسها الإنسان.
والفارق بين دولة تتقدم وأخرى تتعثر لا يُقاس بعدد السكان، بل بقدرتها على تحويل هذا العدد إلى قوة منتجة.
إلى متى سيظل المواطن خارج معادلة الإنتاج، يدفع ثمن سياسات لا تستثمر في طاقته؟
الإجابة، كما يرى كثير من الخبراء، لا تتعلق بالإمكانات… بل بالإرادة السياسية في تغيير طريقة إدارة الاقتصاد.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار