في مفارقة سياسية لافتة، كشفت دراسة جديدة أجراها معهد OGM النمساوي أن شريحة كبيرة من ناخبي الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ) في فيينا باتت تتبنى مواقف يمينية محافظة، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا الهجرة، اللجوء، والاندماج. الدراسة التي استندت إلى بيانات منصة “iVote” الانتخابية شملت أكثر من 5,600 مشارك، وأظهرت أن نسبة مؤثرة من المصوتين للحزب الحاكم تتبنى الآن سياسات كانت تُعد قبل سنوات خطاً أيديولوجيًا أحمر لدى الاشتراكيين.
ديون متصاعدة… وإدارة متعثّرة
من أبرز الملفات التي تُثقل كاهل ميخائيل لودفيغ وتضعف رصيده السياسي هي الديون المتزايدة التي راكمتها بلدية فيينا خلال فترة حكمه. فالعاصمة التي طالما افتخرت بإدارتها المالية المتزنة، أصبحت اليوم من أكثر الولايات النمساوية مديونية.
وفق تقارير مالية حديثة، ارتفع الدين العام لبلدية فيينا خلال السنوات الماضية بمليارات اليوروهات، بسبب الإنفاق الواسع وغير المحسوب على مشاريع إسكان ضخمة، دعم طارئ خلال جائحة كورونا، واستثمارات بنية تحتية لم تُحقق العائد المطلوب.
ورغم أن جزءًا من هذه النفقات كان ضرورياً في ظروف استثنائية، إلا أن غياب خطة واضحة لسداد الديون أو لوقف الهدر المالي جعل الوضع المالي للعاصمة هشًا للغاية. ويحمّل عدد من الخبراء الاقتصاديين ميخائيل لودفيغ مسؤولية مباشرة عن هذا التدهور، بسبب اعتماده سياسة “إدارة الاستمرارية” بدلًا من الإصلاح العميق وإعادة الهيكلة.
هذا الواقع المالي الصعب ينعكس على قدرة فيينا على تمويل خدماتها الأساسية، خصوصًا في النقل والتعليم والإسكان الاجتماعي، ويهدد مستقبل المدينة كأنموذج للحكم المحلي الناجح في أوروبا.
من أبرز الملفات التي تُثقل كاهل ميخائيل لودفيغ وتضعف رصيده السياسي هي الديون المتزايدة التي راكمتها بلدية فيينا خلال فترة حكمه. فالعاصمة التي طالما افتخرت بإدارتها المالية المتزنة، أصبحت اليوم من أكثر الولايات النمساوية مديونية.
بحسب البيانات الرسمية، بلغ إجمالي ديون مدينة فيينا في نهاية عام 2022 حوالي 8.8 مليار يورو. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 14 مليار يورو بحلول نهاية عام 2025، مما يعني زيادة قدرها 5.2 مليار يورو خلال ثلاث سنوات فقط .DER STANDARD
في عام 2024 وحده، يُتوقع أن تسجل المدينة عجزًا قدره 2.1 مليار يورو، أي ما يعادل 2.04% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي .startseite.wien.gv.at
هذا الواقع المالي الصعب ينعكس على قدرة فيينا على تمويل خدماتها الأساسية، خصوصًا في النقل والتعليم والإسكان الاجتماعي، ويهدد مستقبل المدينة كنموذج للحكم المحلي الناجح في أوروبا.
انزلاق نحو اليمين: من العدالة الاجتماعية إلى تشديد الرقابة
وفقًا للمحلل السياسي وولفغانغ باخماير، فإن الناخبين التقليديين للحزب في العاصمة باتوا يؤيدون مواقف مثل:
-
استبدال الدعم المالي للاجئين بمساعدات عينية (54%)
-
منع ارتداء الحجاب للفتيات تحت سن 14 عامًا (53%)
-
تقييد صرف المساعدات الاجتماعية لغير النمساويين إلا بعد خمس سنوات من الإقامة (51%)
-
وقف لمّ الشمل الأسري (44%)
كما أيد 72% من المشاركين من ناخبي الحزب توسيع إلزامية الالتحاق برياض الأطفال إلى عامين، و63% يؤيدون فرض اختبار لغوي إجباري للأطفال في سن الثالثة، بينما دعا 42% منهم لإلغاء قواعد “الجندر” من المؤسسات التعليمية والإدارية.
هذه المؤشرات تعكس بوضوح تحولاً في أولويات القاعدة الانتخابية للحزب، وتطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل الهوية السياسية للاشتراكيين في فيينا.
لودفيغ: توازن هش بين الأمن والعدالة الاجتماعية
رغم محاولة عمدة فيينا ميخائيل لودفيغ التكيف مع هذا التغير، من خلال التركيز على قضايا الأمن، وتكثيف الحديث عن زيادة أعداد الشرطة وفرض حظر حمل السلاح في الأماكن العامة، إلا أن هذه الإجراءات لم تُقابل بالارتياح من قِبل كل قواعد الحزب، خاصة المثقفين واليساريين الكلاسيكيين.
في المقابل، حاول لودفيغ الحفاظ على التوازن عبر طرح ملف تجميد أسعار الإيجارات كقضية مركزية في برنامجه الانتخابي، وهي خطوة حظيت بدعم واسع بلغ 82% من ناخبي الحزب، لكنها لم تكن كافية لإعادة تعبئة القاعدة التقليدية أو تحفيزها للمشاركة في التصويت.
أزمة قيادة… وأزمة مالية
أحد أبرز الانتقادات التي توجَّه إلى لودفيغ اليوم هو فشله في تقديم رؤية شاملة وجريئة لفيينا، عاصمة كانت تُعرف بتقدمها الاجتماعي ونظامها البلدي النموذجي. لكن تحت قيادته، تصاعدت الديون العامة للمدينة، وتراجعت جودة الخدمات في قطاعات حيوية كالنقل والإسكان.
فيينا اليوم تواجه عجزًا ماليًا متزايدًا، وبيروقراطية متصلبة، وتحديات في التعايش الثقافي والاجتماعي، دون وجود حلول مبتكرة من بلدية المدينة. وبدلاً من ذلك، اعتمد لودفيغ على “إدارة الأزمات” بدلًا من “قيادة التحولات”.
إلى أين يتجه الحزب الاشتراكي؟
مع هذا التحول في مزاج ناخبيه، يبدو أن الحزب الاشتراكي في فيينا يواجه أزمة هوية مزدوجة: من جهة يُغازل خطاب اليمين ليحتفظ بقواعده الشعبية، ومن جهة أخرى يُخسر نخبته ومبادئه التاريخية.
وفي ظل ضعف التعبئة، وتراجع ثقة الناخبين، واحتدام المنافسة مع الأحزاب الصغيرة، تبقى نتائج انتخابات 27 أبريل مفتوحة على كل الاحتمالات – وقد تحمل معها زلزالًا سياسيًا قد يطال مستقبل لودفيغ نفسه، إن لم يتمكن من ترميم الثقة المفقودة.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار