في مشهد يعكس تحوّل الدولة المصرية من كيان مؤسسي إلى عزبة مغلقة يديرها قلة نافذة، انفجرت أزمة شركة “بلبن” كمثال حيّ على الكيفية التي يتم بها سحق القطاع الخاص في مصر إذا لم يكن تابعًا أو خاضعًا لمن يمسكون بخيوط السلطة.
شركة “بلبن”، التي تمتلك أكثر من 110 فروع وتوظف عشرات الآلاف، وجدت نفسها فجأة خارج السوق بقرار إداري عاجل بحجة “مخالفات صحية”. لكن توقيت القرار، وطريقة تنفيذه، ثم الظهور المتزامن لعلامة تجارية جديدة باسم “حليب” يُرجّح أنها تابعة لجهاز سيادي، أثار شبهات قوية بأن ما جرى لم يكن إلا تصفية اقتصادية مدروسة ومقصودة.
اقتصاد الأوامر.. لا السوق
تقول الرواية الرسمية إن “بلبن” استخدمت بكتيريا ضارة وألوانًا محظورة. لكن ماذا عن عشرات آلاف المنتجات التي تباع يوميًا في السوق دون رقابة؟ ولماذا لم تُمنح الشركة مهلة أو تُواجه بتدرّج إداري كما يحدث في الدول التي تحترم قوانينها؟
السبب الحقيقي – بحسب مراقبين – لا يكمن في السلامة الصحية، بل في أن الشركة لم تكن جزءًا من الدائرة الاقتصادية للسلطة. وهذا هو جوهر الاقتصاد المصري اليوم: إما أن تكون تابعًا، أو تُقصى.
الدولة vs القطاع الخاص: معركة محسومة
ما جرى مع “بلبن” ليس استثناءً، بل نموذج متكرر في السنوات الأخيرة. من مصانع الأسمنت إلى المستشفيات الخاصة، من التجارة الإلكترونية إلى سوق الأغذية… كل قطاع يشهد دخولًا مفاجئًا لكيانات تابعة للدولة أو الأجهزة السيادية، يليه خروج اضطراري للقطاع الخاص، إما بالإفلاس أو بالاستحواذ القسري.
هذه ليست منافسة، بل عملية ابتلاع منظمة. إنها “خصخصة معكوسة”، حيث لا تبيع الدولة شركاتها، بل تستحوذ على كل ما هو ناجح في السوق لصالح جهات غير خاضعة للمساءلة أو الرقابة.
النتيجة: بيئة طاردة، واقتصاد مختنق
أزمة “بلبن” كشفت عن هشاشة البيئة الاستثمارية في مصر، وأكدت لكل من يفكر في الدخول إلى السوق أن النجاح قد يكون تذكرتك للخروج القسري إذا لم تكن “منهم وفيهم”.
الرسالة واضحة: لا أحد آمن، لا قانون يحمي، ولا منافسة حقيقية. فقط الولاء هو ما يحدد من يبقى ومن يُطرد. وهذا بالضبط ما دفع خبراء اقتصاديين للقول إن الاقتصاد المصري لم يعد اقتصاد دولة، بل اقتصاد “أجهزة”.
دولة العزبة: احتكار السلطة والثروة
لم يعد في مصر حدود بين السلطة والمال، بين القرار الإداري والمصلحة التجارية. نحن أمام نموذج متكامل لما يمكن تسميته بـ “الرأسمالية السلطوية”، حيث تُدار الدولة بمنطق العزبة، وتُدار السوق بمنطق الولاء.
والسؤال الذي يُطرح بمرارة اليوم:
هل كانت أزمة “بلبن” فعلاً مسألة رقابة صحية؟ أم كانت مجرد عرض جانبي لحقيقة أكثر فتكًا: أن مصر تحكمها نخبة تُدير البلد كـ”شركة خاصة”، لا مكان فيها لمنافس أو مستقل؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار