الإثنين , 27 أبريل 2026

النمسا – من اللجوء إلى الانحراف؟ لماذا ينزلق المراهقين السوريين نحو العنف والجريمة؟

بينما كان يفترض أن تمثل الهجرة إلى أوروبا بداية جديدة وآمنة، تحوّلت في بعض الحالات إلى أرض خصبة للضياع والانحراف، خصوصًا لدى فئة المراهقين اللاجئين. حادثة وقعت مؤخرًا في ولاية تيرول النمساوية، حيث أقدم فتى سوري يبلغ من العمر 14 عامًا على سرقة سيارة ومحاولة إحراقها بعد اصطدامه بها، فتحت باب التساؤل مجددًا حول أسباب انزلاق بعض أبناء اللاجئين نحو العنف والسرقة.

الحادثة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة إن لم تُعالج جذور المشكلة بصدق ومسؤولية.

مراهقون في مهب الضياع

ينشأ كثير من المراهقين اللاجئين في بيئة مركبة: بين صدمة الحرب، وضغوط اللجوء، وتحديات الاندماج في مجتمع مختلف كليًا. ومع غياب الاحتواء النفسي والاجتماعي الحقيقي، وغياب الأطر التربوية الفاعلة، يصبح العنف وسيلة تعبير، والسرقة محاولة إثبات وجود أو وسيلة “تحدٍ” في وجه مجتمع يشعر فيه اللاجئ بأنه مُهمّش أو غير مرحب به.

حادثة مشابهة في فيينا

في أواخر العام الماضي، شهدت العاصمة النمساوية فيينا حادثة أثارت صدمة واسعة، عندما قام ثلاثة مراهقين، بينهم لاجئان سوريان يبلغان من العمر 15 و16 عامًا، بالاعتداء على سائق سيارة أجرة ومحاولة سرقة مركبته في حي “فافوريتن”. وكان الدافع – وفق التحقيقات – هو التحدي والملل، بينما لم يكن لديهم أي نية مسبقة لارتكاب الجريمة، مما يعكس حالة من الضياع وغياب البوصلة القيمية. القضية أثارت جدلًا سياسيًا واسعًا حول مسؤولية الحكومة في إدماج اللاجئين المراهقين وحمايتهم من الانجرار إلى الجريمة.

فجوة ثقافية وتربوية

تفتقد كثير من الأسر اللاجئة الأدوات التربوية المناسبة للتعامل مع أبنائها في السياق الجديد. وغالبًا ما يكون الأهل مشغولين بصراعات البقاء، أو فاقدين للسيطرة بعد تجارب النزوح المريرة. في المقابل، يجد المراهق نفسه بين عالمين: ثقافة صارمة تربى عليها، ومجتمع أوروبي مفتوح يمنحه حرية واسعة دون رقابة تُذكر.

مدارس عاجزة ومؤسسات غير جاهزة

رغم الجهود التي تبذلها المؤسسات التعليمية والاجتماعية، إلا أن الاستجابة ما تزال قاصرة عن احتواء الواقع المتفجر لدى بعض المراهقين. غياب المتابعة الفردية، وضعف برامج الدمج الثقافي، وتضاؤل الدعم النفسي، كلها عوامل تجعل المؤسسات عاجزة عن كسر دائرة الانحراف قبل اكتمالها.

الإعلام بين التهويل والتجاهل

وللإعلام دور لا يُستهان به. فبين من يهوّل الحوادث ويعممها على كل اللاجئين، وبين من يتجاهلها خشية وصم الجالية، تضيع الحقيقة. والحقيقة أن الظاهرة تحتاج لخطاب عقلاني يعترف بالمشكلة دون أن يحوّلها إلى وسيلة شيطنة، ويُشخّصها كي يجد لها حلولًا حقيقية لا شعارات فارغة.

نحو حلول جذرية

ما يحدث ليس قدرًا، بل نتيجة لتراكمات تتطلب تدخلًا متوازنًا يجمع بين:

  • دعم نفسي وتربوي حقيقي للعائلات اللاجئة.

  • برامج احتواء ودمج ذكية داخل المدارس.

  • تفعيل دور المرشدين الاجتماعيين الناطقين بالعربية في التعامل مع المراهقين.

  • تشجيع مؤسسات المجتمع المدني على العمل الميداني المباشر داخل الجاليات.

  • سياسات حكومية تنظر إلى اللاجئ كإنسان لا كمشكلة أمنية.

الحوادث الفردية لا تمثّل جالية كاملة، لكنها ناقوس خطر لا يجوز تجاهله. فإهمال مراهق اليوم، قد يعني مجرمًا غدًا، والعكس صحيح: الاستثمار في هؤلاء الفتية، هو استثمار في مستقبل أكثر أمانًا وعدلًا للمجتمع ككل.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!