في حربها على غزة، لا تفعل إسرائيل شيئًا سوى خلع ما تبقى من قناع الدولة. فالدبابات التي تدهس الأطفال، والقنابل التي تمسح العائلات، والجنود الذين يصورون أنفسهم وهم ينهبون المنازل ويحرقون الجثث، ليسوا استثناءً طارئًا على “دولة متحضرة”، بل هم الامتداد الطبيعي لعصابات صهيونية نشأت قبل إعلان الدولة، وظلت تحكم باسمها بعد 1948.
إسرائيل، كما يكشف التاريخ، لم تكن يومًا دولة بالمعنى التقليدي، بل عصابة استعمارية ارتدت تدريجيًا زيًا نظاميًا، دون أن تتخلى عن أدوات القتل والتطهير والنهب والإرهاب. وما يجري اليوم في غزة ليس جنونًا أو انحرافًا، بل لحظة صدق نادرة يظهر فيها الأصل العاري للمشروع الصهيوني، حين تسقط عن الجريمة كل الزينة الدبلوماسية.
بار غيورا… ولادة الإرهاب الصهيوني
عام 1907، أي قبل نحو أربعة عقود من إعلان الدولة، تأسست أول نواة عسكرية صهيونية تحت اسم “بار غيورا” – نسبة إلى القائد اليهودي الذي قاد ثورة دموية ضد الرومان في القرن الأول الميلادي. اتخذت هذه العصابة شعارًا مخيفًا: “بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستنهض من جديد.”
كانت مهمتها “حماية المستوطنات” من العرب، لكنها سرعان ما تحولت إلى جهاز إرهاب ممنهج، يطرد الفلاحين الفلسطينيين من أراضيهم ويحرق محاصيلهم. ومن بار غيورا خرجت منظمة “هاشومير”، ثم “الهاغاناه”، وأخيرًا “الجيش الإسرائيلي”.
بن غوريون، مؤسس الدولة، لم ينكر هذه الصلة، بل كان فخورًا بها. قال: “كل ما فعلته الهاغاناه قبل 1948 صارت تفعله الدولة بعد 1948.” بهذا التصريح، يكشف بن غوريون أن إسرائيل لم تنشأ لتحل محل العصابات، بل لتُضفي الشرعية القانونية على أفعالها.
منظمات الإرهاب: الأرجون والليحي وشتيرن
قبل إعلان الدولة، كانت هناك ثلاث عصابات رئيسية تمارس الإرهاب بأبشع صوره: الهاغاناه (الذراع العسكرية للوكالة اليهودية)، والأرجون بقيادة مناحيم بيغن، وليحي (شتيرن) بقيادة إسحاق شامير.
هذه الجماعات نفذت تفجيرات ضد المدنيين في الأسواق والمقاهي والمساجد، واغتالت مسؤولين بريطانيين وعربًا. وفي مذبحة دير ياسين (1948)، ارتكب بيغن وجماعته واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ، حين ذبحوا أكثر من 250 فلسطينيًا أعزل، بينهم نساء حوامل وأطفال.
بيغن كتب لاحقًا في مذكراته: “لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل.” هذا الاعتراف وحده يكشف أن الدم هو العملة التي أسست بها إسرائيل كيانها.
التحول إلى دولة… أم تعميم الإرهاب؟
بعد إعلان الدولة عام 1948، انضمت هذه العصابات إلى “جيش الدفاع الإسرائيلي” بشكل رسمي. لكن بدلاً من إنهاء الإرهاب، جرى تعميمه. صار القتل والتطهير أدوات دولة، تمارسها باسم “الأمن القومي”.
هكذا صارت عصابة الأرجون وزارة، وتحول قادة الإرهاب إلى رؤساء وزراء: بيغن، شامير، شارون، ونتنياهو. تغيرت الأزياء، وتنوعت المسميات، لكن الجوهر لم يتغير: قتل الفلسطيني، طرده، نفيه، أو دفنه تحت الأنقاض.
المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه يصف هذه الحالة بدقة: “إسرائيل لا تعاني من أزمة أخلاقية، بل من أزمة فضيحة، لأنها كُشفت. لم تتغير إسرائيل، بل فقط لم تعد قادرة على إخفاء حقيقتها.”
غزة: ساحة الإبادة العارية
في غزة، تسقط كل الأقنعة. لا حديث عن “دولة القانون”، ولا عن “الجيش الأكثر أخلاقية”. هناك فقط جريمة مستمرة: قصف المدنيين، تجويع السكان، قطع الماء والكهرباء، وحرمان الجرحى من الدواء.
قادة إسرائيل يعترفون بذلك علنًا. أحد الوزراء صرّح: “لن نسمح بوجود مدنيين أبرياء في غزة.” وجنود الجيش يصورون أنفسهم وهم يحرقون بيوت الغزيين ويغنون: “لا نريد السلام، نريد الانتصار بدمائهم.”
ما يجري في غزة ليس فقط مجزرة، بل استعراض علني لمشروع استيطاني يرى في الفلسطينيين عقبة وجودية يجب محوها. وقد كتب المؤرخ الإسرائيلي شلومو زاند: “لو أن جريمة غزة حدثت في مكان آخر، لسُحقت الدولة المرتكبة تحت العقوبات. لكن إسرائيل محمية بالغرب لأنها خط دفاعهم الأمامي في الشرق.”
إسرائيل تأكل نفسها
الأخطر اليوم أن العصابة لم تعد موحدة. فبينما يواصل الجيش حربه على غزة، تندلع المعارك داخل إسرائيل نفسها: صراع بين المتدينين والعلمانيين، بين جيش الدولة وميليشيات “دولة يهودا” في المستوطنات، بين القضاء والحكومة، وبين اليهود الغربيين والشرقيين.
كل طرف يتهم الآخر بأنه خان المشروع الصهيوني. والنتيجة؟ دولة منقسمة، غارقة في الفساد، تحكمها حكومة فاشية، وتحاصرها مقاومة فلسطينية لم تنكسر رغم المجازر.
كما كتب إيلان بابيه: “المشروع الصهيوني يُظهر الآن أعراض النهاية، ليس بفعل هجوم خارجي، بل لأنه صار ضحية لأكاذيبه.”
خاتمة: العصابة كما هي… بلا رتوش
اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، نراها تعود إلى أصلها الأول: عصابة. لكن هذه المرة بميزانية نووية، ودعم غربي، وجيش نظامي.
سقوط القناع لا يعني السقوط الفوري للدولة، لكنه يمهد له. فالدولة التي تُبنى على الجريمة، وتُحكم بالفاشية، وتعيش على دعم الخارج، لا يمكن أن تصمد طويلاً حين تنهار سرديتها.
وحين تُقارن صور مجازر غزة، بمجازر دير ياسين، لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل:
هل تغير شيء؟ أم أننا فقط بدأنا نرى إسرائيل كما هي؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار