الإثنين , 27 أبريل 2026

جنرالات على المنابر”.. حين يُخرّج الجيش أئمة المساجد!

في مصر الجديدة، لم يعد يكفي أن يكون الإمام عالمًا بالدين، بل صار عليه أن يحمل رتبة “تدريب عسكري” ويؤدي قسم الطاعة للرئيس.

في مشهد غير مسبوق، هزّ الرأي العام المصري والعربي، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل تخرج 550 إمامًا جديدًا… ليس من الأزهر، ولا من معاهد الشريعة، بل من الأكاديمية العسكرية. وأمام الرئيس، وبزيّ موحد أقرب للعسكريين، أدّى هؤلاء الأئمة قسمًا جديدًا من نوعه، يركّز على الولاء “للوطن والقيادة”، لا على خدمة الدين أو نشر القيم الإسلامية الوسطية.

هذا الحدث أثار عاصفة من الجدل على مواقع التواصل، إذ اعتبره كثيرون عسكرة صريحة للمنبر، وتحويلًا رمزيًا للجامع إلى ثكنة، وللإمام إلى موظف يتبع الأوامر بدل أن يكون صاحب رسالة.

من الإمام الشرعي إلى إمام الدولة

منذ سنوات، تعمل الدولة المصرية على ما تسميه “تجديد الخطاب الديني”، لكنها لم تفعل ذلك عبر الأزهر أو العلماء المستقلين، بل من خلال مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. تدريب الأئمة في الأكاديمية العسكرية جاء تحت عنوان “مكافحة الفكر المتطرف”، لكن التساؤل الجوهري يظل: هل يمكن مواجهة التطرف بتجنيد المنبر؟

وزارة الأوقاف دافعت عن الخطوة باعتبارها وسيلة لتحصين الأئمة فكريًا، لكن المنتقدين يرون فيها محاولة لإعادة تشكيل الوعي الديني من منظور أمني بحت. بدل أن يكون الإمام داعيةً بالحكمة والموعظة الحسنة، يتم تحويله إلى أداة لنقل خطاب السلطة بثوب ديني، ضمن نموذج “إمام الدولة” الذي لا يخرج عن النص الرسمي، ولا يُزعج الحاكم بسؤال، أو يلامس الواقع بنقد.

أزمة استقلال المنبر

هذه ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها الدولة في تشكيل المؤسسات الدينية. فمنذ سنوات، أُجبر الأئمة على الالتزام بخطبة موحدة صادرة من الوزارة، وتمّ التضييق على من يخالفها. لكن الجديد هذه المرة أن التكوين نفسه لم يعد دينيًا، بل عسكريًا في الأصل، ما يعني أن المساجد تُفرغ من روحها شيئًا فشيئًا.

المسألة ليست فقط رمزية. لأن القَسَم الذي أدّاه الأئمة أمام السيسي لم يتضمن إشارات إلى القرآن أو السنة، بل إلى “القيادة”، في ما يشبه ترديد شعار الولاء السياسي لا العقائدي. وهو ما يفتح بابًا خطيرًا على شرعنة خطاب سياسي باسم الدين، لا سيما في ظل غياب أي سلطة دينية مستقلة قادرة على مساءلة أو مراجعة هذا النموذج الجديد.

عسكرة الدولة: من القاضي إلى المعلم.. والآن الإمام

التحول الأخير يأتي ضمن استراتيجية أوسع، بدأت بتدريب القضاة والمعلمين في الأكاديمية العسكرية، والآن تطال حتى الأئمة. الهدف الظاهري هو “مكافحة التطرف”، لكن المخاوف تتزايد من أن الدولة تسعى لفرض منهج أمني موحّد على جميع مؤسساتها المدنية، ما يهدد بتآكل استقلالية التعليم، والقضاء، والدين على حد سواء.

وهنا يُطرح السؤال بمرارة: هل نحارب التطرف فعلاً، أم نعيد إنتاجه بصورة أكثر غموضًا، حين نُفرغ الدين من روحه الإصلاحية ونجعل منه أداة للسلطة؟

في الختام

قد يكون التطرف خطرًا حقيقيًا، لكن تطويع المنابر وتحويلها إلى أدوات طاعة لا يُنتج إسلامًا معتدلًا، بل يُعمّق الفجوة بين الدين الحقيقي والدين الرسمي. وبينما يبحث الناس عن واحة للسكينة الروحية، تملأ السلطة المساجد بخطاب تعبوي لا يُلهم، بل يُخيف.

فهل صار الطريق إلى المنبر يمر عبر الأكاديمية العسكرية؟ وهل يمكن أن يحمل الإمام بندقية بيد، ومصحفًا بالأخرى؟

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!