أثبات وجودنا يوم الأحد 27 من أبريل في لحظة سياسية فارقة تعيد تشكيل مفهوم المواطنة في أوروبا، ينهض جيل جديد من أبناء المهاجرين في النمسا، رافعًا شعار الانتقال من التمثيل الرمزي إلى الشراكة السياسية الحقيقية. لم يعد حضورهم في الحياة العامة مجرد تعبير رمزي عن التنوع، بل بات إعلانًا عن وعي سياسي جديد يطالب لا بامتيازات، بل بتمثيل عادل وموقع فاعل في قلب القرار الوطني.
في قلب هذا التحول، يبرز حزب SÖZ، المعروف باسم “حزب مستقبل النمسا”، كأحد أبرز التعبيرات عن هذا الوعي الجديد. ملصق انتخابي بسيط يحمل وجوهًا شابة، بينها امرأة محجبة وشاب بملامح شرق أوسطية، كان كافيًا لإثارة نقاش واسع في البلاد. لكن الرسالة التي يحملها هذا الملصق تتجاوز الصورة: إنها لحظة إعلان سياسي بأن المهاجر لم يعد زائرًا، بل مواطنًا كاملاً، يحمل مشروعًا، وينتمي بعمق إلى هذا الوطن.
جيل جديد وُلد وترعرع في النمسا، تعلّم بلغتها، وارتوى من ثقافتها، ولم يعد يقبل أن يُختزل في خانة “المندمج الصالح” أو “الضيف المؤدب”. إنه جيل خرج من عباءة التردد، يبحث عن دوره لا في أرض أجداده، بل في وطنه الحقيقي: هنا حيث وُلد، وتشكّل وعيه، وتكوّنت أحلامه.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في المهاجرين، بل أيضًا في طبيعة المواطنة الأوروبية. فحين تبدأ الأحزاب السياسية في تمثيل هذا الجيل الجديد لا كأصوات انتخابية عابرة، بل كجزء من المشهد الوطني، نكون أمام إعادة تعريف شاملة لهوية الدولة وديمقراطيتها.
وفي الوقت ذاته، يوجّه هذا الحضور الجديد صفعة سياسية إلى تيارات اليمين المتطرف التي تقتات على خطاب التخويف من “الآخر”. فهذا “الآخر” لم يعد غريبًا، بل صار من نسيج المجتمع، يترشح، يناقش، ويقترح، لا ليخيف، بل ليبني. الخطابات القديمة التي تحذّر من الإسلام، أو تثير الذعر من الحجاب، لم تعد تقنع جيلاً نشأ هنا، ويرى في مشاركته السياسية حقًا لا منّة.
الإسلام، الذي كثيرًا ما شوّهته الحملات الإعلامية اليمينية، يجد اليوم تمثيله الحقيقي في هذا المشهد: لا بوصفه تهديدًا، بل بوصفه مكوّنًا ثقافيًا وروحيًا أسهم في تشكيل الهوية النمساوية المعاصرة. والحضور المسلم في السياسة لا يطالب بهوية دينية مغلقة، بل يشارك في مشروع سياسي جامع، يتسع للنمساوي والمهاجر، للمسلم وغير المسلم، في ظل دولة القانون والمواطنة المتساوية.
إن دعم حزب مثل SÖZ، ليس مجرد موقف انتخابي، بل خطوة نحو سياسة أكثر عدلاً وإنصافًا. لقد ملّ أبناء المهاجرين من الأدوار الثانوية في الأحزاب الكبرى، ومن استخدامهم كـ”ديكور تنوع”. وهم اليوم يطرحون مشروعهم السياسي المستقل، ليس للغلبة، بل للشراكة؛ ليس للتنازع، بل للبناء.
حين يصوت المواطن لـSÖZ، فهو لا يصوت للحجاب أو الأصل، بل لمستقبل يرى فيه الجميع شركاء في الوطن، لا ضيوفًا فيه.
في مشهد سياسي أوروبي يتغير سريعًا، تبرز النمسا كنموذج لتحول أعمق في القارة كلها: مستقبل الديمقراطية لن يُكتب دون المهاجرين. ومَن يراهن على الإقصاء، يخسر المستقبل.
شبكة رمضان الإخبارية
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار