في خطوة تُثير أكثر من علامة استفهام، قرّر الصندوق النمساوي للتأمين الصحي (ÖGK) فرض رسم بقيمة 7,55 يورو على رحلات الإسعاف غير الطارئة، في محاولة لتقليص العجز المتفاقم في ميزانية القطاع الصحي. لكنّ ما يبدو على السطح كإجراء إداري بسيط، يخفي وراءه تحوّلًا تدريجيًا نحو خصخصة غير معلنة للخدمات الصحية، حيث يدفع المرضى الثمن – حرفيًا – مقابل فشل الدولة في إدارة مواردها وضبط أولوياتها.
الإجراء يشمل النقلات الطبية التي لا تُصنّف كحالات طارئة، مثل نقل المرضى بين المستشفيات أو الذهاب لجلسات العلاج الدورية. أي أنه يستهدف بشكل مباشر الفئات الأضعف في المجتمع: كبار السن، مرضى السرطان، ذوي الاحتياجات الخاصة، وأولئك الذين يعتمدون على النظام الصحي العام لغياب أي بديل.
السلطات تقول إن هذه الخطوة “ترشيدية” وتهدف إلى تقليل الاستخدام غير الضروري لسيارات الإسعاف. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يُلقى العبء على عاتق المرضى بدلًا من محاسبة المسؤولين عن سوء التخطيط المزمن؟ ولماذا تبدأ الإصلاحات دائمًا من جيب المواطن، وليس من امتيازات السياسيين أو صفقات الشركات الكبرى التي تمتص مليارات اليوروهات سنويًا من نظام الرعاية؟
خلف هذا القرار تقف أزمة بنيوية في التأمين الصحي النمساوي، الذي يعاني من تضخم في التكاليف بسبب شيخوخة السكان، وزيادة الطلب على الخدمات، وتآكل الاستثمارات العامة منذ سنوات. ومع أن أزمة كورونا كشفت هشاشة المنظومة، إلا أن الاستجابة السياسية جاءت على طريقة “من يدفع يركب” بدلًا من تعزيز البنية الصحية المجانية.
أكثر من ذلك، فإن هذه السياسة تتماشى مع توجه أوروبي أوسع نحو تحميل الأفراد جزءًا متزايدًا من كلفة الرعاية، وتحوّل الخدمات الصحية من “حق اجتماعي” إلى “منتج خاضع للسوق”، وهو منطق لا يرحم الضعفاء ولا يعترف بالعدالة.
إذا استمر هذا النهج، فقد لا يكون رسم الإسعاف سوى البداية. فماذا بعد؟ رسم على دخول المستشفى؟ ضريبة على وقت الطبيب؟ أم اشتراك شهري لمن يريد أن يُعالج بكرامة؟
القلق اليوم ليس فقط من الرسوم، بل من الفلسفة التي تقف وراءها: فلسفة ترى في المرضى أرقامًا، وفي الرعاية الصحية فرصة لتوفير المال، لا لإنقاذ الأرواح.
هل يعني هذا أن كبار السن والمرضى المزمنين سيبدأون بحساب خطواتهم الصحية باليورو؟ وهل يكفي هذا الرسم لضبط استغلال الخدمة، أم أننا أمام بداية سياسة “ادفع قبل أن تُنقل” في منظومة الصحة العامة؟
الجواب سيظهر في عيون المرضى قبل بيانات الميزانية.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار