في مشهد يعكس تغوّل السياسة الأمريكية وارتباك النُظم التابعة، أطلق دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الرئاسي المحتمل، تصريحات فجّة تنضح بغرور القوة، حين طالب بمنح السفن الأمريكية – مدنية وعسكرية – حق المرور المجاني في قناة السويس، واعتبر أن وجود القناة أصلاً “فضلٌ أمريكي على البشرية”!
لم يكن ذلك مجرّد زلة لسان أو نوبة من نوبات التباهي المعتادة لترامب، بل منشور رسمي على منصته “تروث سوشيال”، مدعوم بتوجيه مباشر لوزير خارجيته المقترح، ماركو روبيو، للتحرك “دبلوماسيًا” نحو هذا الهدف. أي أننا أمام ابتزاز سياسي وقح مغطى بشعارات الهيمنة.
صمت القاهرة.. صمت مريب أم خضوع محسوب؟
المفارقة الكارثية لم تكن في ما قاله ترامب، بل في ما لم تقله القاهرة.
لم يصدر أي رد من رئاسة الجمهورية، ولا من هيئة قناة السويس، حتى لحظة كتابة هذا المقال. فقط وزير الخارجية المصري خرج بتصريح خجول قال فيه: “الأفضل عدم الرد”، في تكرار لنمط دبلوماسية النعامة التي تضع رأسها في الرمال كلما زمجر ترامب أو ابتسم بايدن.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بتصريح أرعن من رئيس سابق، بل بمبدأ سيادي جوهري. فقناة السويس ليست طريقًا خاصًا في مزرعة ترامب، بل ممر مائي سيادي تحرسه دماء المصريين وذاكرتهم، من عهد التأميم تحت عبد الناصر إلى حروب التحرير والانتصارات الوطنية.
“بلطجة سياسية”… ولكن على من؟
تصريحات ترامب تعكس، بشكل فج، الوجه العاري للبلطجة السياسية الأمريكية، التي تزداد شراسة مع كل تحول في موازين القوة الدولية. فها هو ترامب يطالب بمرور مجاني في قناة السويس، كما لو كان يطلب كوب قهوة من ستاربكس، لأنه – حسب زعمه – “أمريكا من صنعت هذا الطريق”.
السؤال هنا ليس لماذا قال ترامب هذا، بل:
لماذا تجرأ على قوله؟
هل لأن مصر – رسميًا – لم تعد ترد، ولا تثور، ولا ترفض؟
هل لأن النظام المصري يعيش في ظل توازنات هشة تجعله أسير المساعدات والودائع الخليجية والتصنيفات الائتمانية الأمريكية؟
شعب يرد عندما تصمت الدولة
اللافت أن الشارع المصري لم يصمت كما فعلت حكومته. فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة سخرية وغضب، فكتب أحدهم:
“قناة السويس مش أوبر يا ترامب!”
وآخر علّق: “هل أصبحت القناة فرعًا للبيت الأبيض؟”
وهناك من كتب بمرارة: “الاستعمار لا يعود بالدبابات، بل بالتصريحات التي لا تجد من يرد عليها.”
هل القنوات الدولية للبيع؟
بعيدًا عن الضجيج، أثار تصريح ترامب تساؤلات جوهرية:
هل ما زالت القنوات المائية الدولية خاضعة للقوانين والمعاهدات؟
أم أننا ندخل عصرًا جديدًا تتحول فيه هذه الممرات إلى بطاقات تفاوض على طاولة الكبار، كما يحدث في ملفات النفط والغاز والسلاح؟
وهل يمكن أن تجرؤ دول أخرى على تقليد ترامب، إذا وجدت أن الصمت هو الرد الوحيد؟
في الختام: مصر أكبر من أن تُشترى
قناة السويس ليست سلعة، وليست هدية، وليست منحة دولية. هي شريان سيادي يمر في قلب الكرامة الوطنية، ويمثل أحد آخر الرموز الحقيقية لمصر التي قاومت وقاتلت واستعادت حقوقها.
والصمت أمام وقاحة ترامب لا يمر دون ثمن، لأنه يشجع كل مغامر على قضم قطعة أخرى من السيادة، باسم الواقعية السياسية أو ضبط النفس الدبلوماسي.
فإلى متى يختبئ السيسي خلف ستار الصمت، بينما تُمسّ كرامة مصر؟
وإلى متى سنُقايض السيادة بالصمت، والدبلوماسية بالاختباء؟
إن صمت الدولة لا يحفظ هيبة، بل يُفقدها ما تبقى منها.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار