في زقاق ضيّق بوسط فيينا، حيث تمتزج رائحة المطر بعطر القهوة والتوابل الشرقية، يحتضر أحد أقدم المحلات في المدينة، متجر “الشمس الصغيرة”، الذي ظلّ على مدار أربعة قرون وجهة لعشاق الشاي والقهوة، وشاهدًا حيًا على تاريخ العاصمة النمساوية. لكن هذه “الكبسولة الزمنية” التي صمدت في وجه الحروب والتقلبات السياسية، قد لا تصمد أمام جنون الإيجارات وابتلاع السياحة المفرطة لروح المدينة.
مكان يحمل ذاكرة فيينا
منذ القرن السابع عشر، ظل المتجر الصغير الواقع في شارع “هيرن غاسة” ملتقى للأهالي والزوار، بواجهته المزينة بشمس مذهّبة، وأرضيته الخشبية الأصلية، وعبق الشاي والقهوة القادمة من إثيوبيا وبيرو والبرتغال. لم يكن مجرّد محل تجاري، بل نافذة على الماضي، ومكانًا تذوب فيه الحدود بين الأجيال، وتُصنع فيه الصداقات كما تُحضّر الخلطات السرّية للشاي.

لكن مالكته الحالية، ماري-لويز فيلدر، التي تدير المتجر منذ عام 1999، أعلنت عزمها على إغلاقه مع نهاية مايو الجاري، بعد أن أصبح من المستحيل مواصلة العمل تحت وطأة الإيجار المرتفع وتكاليف التشغيل المتزايدة. من 18 ألف يورو سنويًا قبل خمس سنوات، قفز الإيجار إلى 72 ألف يورو، قبل أن تُخفّضه المحكمة إلى 50 ألفًا – رقم لا يزال فوق طاقة المتجر الذي لا تتجاوز إيراداته اليومية 300 يورو.
التراث ينهار أمام عاصفة السياحة
ليست “الشمس الصغيرة” أول ضحية، ولن تكون الأخيرة. فيينا، التي لطالما افتخرت بهويتها الثقافية وتاريخها الغني، تجد نفسها اليوم في صراع مرير بين الحفاظ على طابعها القديم، والانجراف خلف موجة الاستهلاك السريع والسياحة الجماعية. مع انتشار المقاهي العصرية ومطاعم الـ”تيك توك”، باتت المتاجر التاريخية مهددة، غير قادرة على مجاراة الأسعار أو جذب زبائن يبحثون عن صور إنستغرام أكثر من تجربة أصيلة.
الأنثروبولوجي فرتس دالاكوجلو وصف الأمر بـ”الموت الصغير” للعاصمة، محذرًا من تحوّل فيينا إلى “واجهة فارغة”، بلا روح أو عمق.

ليست مجرد تجارة.. بل هوية
الذين قصدوا المتجر طوال سنوات لا يأتون فقط لشراء القهوة، بل للحديث، للضحك، لتبادل القصص، وربما للهروب قليلًا من صخب الحياة الحديثة. “إنه أكثر من مجرد متجر”، تقول ناتالي، إحدى الموظفات. “إنه مكان له دور اجتماعي وإنساني لا يمكن شراؤه أو نسخه”.
المتاجر مثل “الشمس الصغيرة” لا تمثّل الماضي فقط، بل تمنح المدينة توازنها، وتُبقي على نبضها الإنساني حيًا. فيينا بحاجة لهذه الأماكن، ليس كديكور سياحي، بل كجزء حيّ من نسيجها اليومي.
الوداع المؤلم
رغم الحزن، تحاول فيلدر أن تحافظ على ابتسامتها وروحها الطيبة، وهي تودّع زبائنها الذين صاروا أصدقاء. هذا الوداع، وإن بدا فرديًا، هو ناقوس خطر لمدينة تُفقد وجهها قطعة قطعة.
وإذا لم تُتّخذ خطوات جدية لحماية المتاجر العريقة، فلن يبقى من فيينا سوى قشرتها الجميلة.. أما جوهرها، فسيذوب في فنجان قهوة بلا روح.

خاص – شبكة رمضان الإخبارية
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار