أثار الكشف عن استخدام عدد من الوزراء النمساويين لسيارات فاخرة ممولة من أموال دافعي الضرائب عاصفة من الجدل السياسي والاجتماعي، أعادت إلى الواجهة قضية طالما وُصفت بـ”المسكوت عنها”: رواتب ومخصصات الطبقة السياسية العليا. ومع تصاعد الضغط الشعبي والمعارضة، أعلنت رئاسة البرلمان تشكيل لجنة تحقيق جديدة لمراجعة شاملة لأجور وامتيازات كبار المسؤولين.
■ الرواتب تحت المجهر
اللجنة البرلمانية، التي بدأت عملها فعليًا هذا الأسبوع، كُلّفت بمراجعة سلم الرواتب لكبار المسؤولين، وفي مقدمتهم الوزراء ونوابهم، إلى جانب رؤساء الهيئات العامة والمديرين التنفيذيين للوكالات التابعة للدولة. وتشمل المراجعة البدلات الخاصة بالسكن والتنقل والمرافقة الأمنية، وهي بنود كثيرًا ما تُمنح دون شفافية كافية.
ويبلغ الراتب الشهري للوزير في النمسا أكثر من 18 ألف يورو صافية، بالإضافة إلى حزمة من الامتيازات غير الخاضعة للضرائب، مثل السيارة الرسمية، السكن الوظيفي، وتعويضات إضافية عن المصاريف التمثيلية. وتشير تقارير صحفية إلى أن بعض الوزراء يستقلون سيارات من طرازات Audi A8 وBMW 7 Series مجهّزة بتقنيات فاخرة، في مشهد أثار استياء الرأي العام، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
■ مطالب بتحديد سقف للرواتب وربطها بالدخل القومي
حزبا المعارضة الرئيسيان، الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ) وحزب نيوس (NEOS)، عبّرا عن رفضهم لما وصفوه بـ”الانفصال الكامل للنخبة السياسية عن واقع المواطن العادي”، مطالبين بربط رواتب الوزراء بمتوسط الدخل القومي، وبإلغاء البدلات المبالغ فيها.
وفي هذا السياق، قالت النائبة عن حزب SPÖ، يوليا هير، إن “الناس يكافحون لدفع الإيجار والكهرباء، بينما يسير الوزراء في مواكب فارهة كأنهم في عالم آخر”، مضيفة أن الحزب سيضغط من أجل تشريع يضع سقفًا قانونيًا لرواتب المسؤولين ويربطها بمؤشرات العدالة الاجتماعية.
أما حزب نيوس فقد وصف الامتيازات الحالية بـ”العبء الأخلاقي” الذي يقوّض ثقة المواطنين بالديمقراطية، داعيًا إلى نشر كافة تفاصيل الرواتب والمخصصات بشكل دوري على منصة حكومية مفتوحة.
■ مقارنة أوروبية وتوصيات مرتقبة
اللجنة أعلنت أنها ستُجري مقارنة معيارية مع دول الاتحاد الأوروبي، وسترفع توصياتها الأولية إلى البرلمان بحلول الخريف. ومن بين السيناريوهات المحتملة: تقليص البدلات، دمج بعض التعويضات في الراتب الأساسي، وإلغاء الامتيازات التي لا ترتبط بوظيفة جوهرية مباشرة.
ويأتي التحقيق في وقت بالغ الحساسية، حيث تستعد البلاد لحملة انتخابية قد تتحول فيها قضية الرواتب إلى محور سياسي مشحون، خاصة أن الناخبين باتوا أكثر حساسية تجاه قضايا الشفافية والعدالة الاقتصادية.
■ الرأي العام: كفى امتيازات!
استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت استياءً شعبيًا عارمًا من الرواتب العالية التي يحصل عليها السياسيون، خاصة في ظل دعوات الحكومة المتكررة للتقشف. وعبّر كثير من المواطنين عن غضبهم من “الازدواجية الأخلاقية” التي تمارسها الحكومة، حيث تُشدّد على شد الأحزمة، بينما تواصل الطبقة السياسية التمتع بنمط حياة لا يعكس الواقع اليومي للنمساويين.
■ خاتمة
من المتوقع أن تفتح لجنة التحقيق هذه نقاشًا غير مسبوق حول المساءلة المالية للنخبة السياسية في النمسا، وسط ضغط شعبي متزايد لكبح “الامتيازات غير المبررة” وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في إدارة المال العام. فهل تنجح اللجنة في تقليص الهوة بين الحاكم والمحكوم، أم تتحول التوصيات إلى حبر على ورق في دهاليز البرلمان؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار