لم تسلم حتى الأجساد من منطق السوق والربح السريع، ففي النمسا انفجرت قضية كشفت كيف تحوّل الجسد إلى سلعة، وكيف يُساء استغلال أنظمة الدعم الاجتماعي من أجل المال.
ففي محكمة كلاغنفورت بولاية كيرنتن، وقفت شابة تبلغ من العمر 26 عامًا، تحمل طفلتها الصغيرة على ذراعيها، أمام القاضي بتهمة الاحتيال على نظام التأمين الاجتماعي. المشهد غير مألوف في أروقة المحاكم، حيث بدا بكاء الرضيعة متنافراً مع تفاصيل الجريمة.
المتهمة كانت تتلقى لسنوات إعانات بطالة من الدولة، في الوقت الذي كانت فيه تحقق أرباحاً كبيرة من خلال محتوى تنشره على منصة “أونلي فانس” الأمريكية، والتي تشتهر بعرض صور ومقاطع فيديو ذات طابع جنسي مقابل اشتراك مالي من المستخدمين. وبحسب لائحة الاتهام، فقد جمعت ما يزيد عن 46 ألف دولار من نشاطها الإلكتروني، دون أن تصرح بذلك للسلطات المختصة، ما يعد خرقًا واضحًا للقانون.
المثير أن انكشاف الفضيحة جاء بعد بلاغ قدمه شريكها السابق، الذي فضح مصدر دخلها السري، ما دفع السلطات إلى فتح تحقيق رسمي انتهى بإحالتها إلى المحكمة بتهمة الاحتيال الجسيم والمتكرر.
وخلال الجلسة، حاولت الشابة تبرير موقفها بقولها: “أنا آسفة، لم يكن لدي من يعتني بطفلتي”، كما اعترفت بأنها كانت تقدم “صوراً” مقابل المال، من دون أن توضح طبيعتها. القاضي، ديتمار فاسرتووير، والنيابة العامة أبديا تفهماً للظروف الاجتماعية، لكن الوقائع القانونية كانت حاسمة، وأُمرَت المتهمة بإعادة كل الأموال التي حصلت عليها بطريقة غير قانونية.
هذه القضية ليست مجرد حادثة احتيال، بل تسلّط الضوء على ظاهرة متصاعدة: تسليع الجسد، واستخدامه كوسيلة للربح في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية، ووسط أنظمة دعم تعاني أصلاً من ثغرات وسوء استغلال. كما تطرح تساؤلات أخلاقية حادة حول الحدود الفاصلة بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، في عصر يختلط فيه الاقتصاد الرقمي بالجسد الإنساني.
أهم شيء الآن هو ابنتي… وأتمنى أن أصبح ممرضة إذا سمح لي القانون بعد انتهاء هذه الإجراءات.”
هنا تتقاطع قصة “التسليع الرقمي” مع أزمات البطالة والحاجة إلى الأمان المالي، وتتجلى هشاشة وعي الجماعة تجاه الجسد الأنثوي وسوقه الجديد في الفضاء الإلكتروني. فهل يتحول قرار القاضي إلى بداية حقيقية لمواجهة معضلات الفقر والبطالة التي تدفع بعض النساء إلى “بيع أنفسهن” عبر شاشات الحواسيب؟ أم أن مجرد إطفاء “جمر الجريمة” بحكم مخفف سيترك ساحة مفتوحة للتكرار؟ الأمر بيد القوانين أولاً، وبإرادة المجتمع دوماً.
هل أصبح الجسد آخر ما يُباع على منصات الرأسمالية الحديثة؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار