الإثنين , 27 أبريل 2026

مستشفيات فيينا تستبدل الأطباء بالذكاء الاصطناعي: تقشف صحي بوجه تكنولوجي

في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى ضبط النفقات وتحسين الكفاءة، قررت هيئة التأمين الصحي النمساوية (ÖGK) تحويل مسار النظام الصحي نحو نموذج يعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي، ليحل محل الأطباء في بعض القرارات، بدءًا من الموافقة على الفحوصات الطبية الباهظة مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (MRT) والأشعة المقطعية (CT).

رئيس الهيئة، بيتر ماكدونالد، أوضح في مقابلة مع صحيفة “كرونه” أن نحو ربع هذه الفحوصات تُجرى دون ضرورة طبية واضحة، مشيرًا إلى أن هذا الإفراط لا يستهلك ميزانية الصحة فقط، بل يزيد من المخاطر الصحية. دراسات حديثة حذرت من أن الاستخدام المفرط للأشعة قد يؤدي إلى إصابة واحد من كل 20 مريضًا بالسرطان.

من “دكتور كبير الأطباء” إلى “دكتور الذكاء الاصطناعي”

بموجب التعديل الجديد، لن يتولى كبير الأطباء مسؤولية الموافقة على هذه الفحوصات كما في السابق، بل سيتم ذلك إلكترونيًا عبر نظام ذكي يتبع الإرشادات العلمية الحديثة في مجال الطب الإشعاعي. الهدف: تقليص الفحوصات غير الضرورية، وتوفير الأجهزة للحالات المستعجلة مثل مرضى السرطان، مع تقليص أوقات الانتظار، وتوفير مئات اليوروهات لكل حالة.

هذا النظام سيمتد لاحقًا إلى مجالات أخرى مثل العلاج الطبيعي، مع وعود بتطبيق تدريجي بحلول نهاية العام.

رأي خبير: ذكاء اصطناعي مفيد.. ولكن بشروط

يقول الدكتور توماس فايسمان، أستاذ السياسات الصحية في جامعة فيينا الطبية:

“التحول إلى نظام موافقة رقمي خطوة جريئة ومناسبة في ظل الأزمة المالية، ولكن ينبغي ألا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل تام للخبرة الطبية البشرية. نحتاج إلى أنظمة مرنة تدمج بين المعايير العلمية والخصوصيات الفردية لكل مريض، وإلا قد نواجه خطر إهمال حالات حرجة أو نادرة يصعب تصنيفها رقميًا.”

ويحذر فايسمان من أن التقشف المفرط قد يؤدي إلى “نظام صحي طبقتي”، حيث يتمتع القادرون ماليًا بخدمات أسرع وأكثر دقة، بينما يظل الفقراء في طوابير الانتظار.

عجز مالي وخطط للتقشف

تتوقع هيئة التأمين الصحي عجزًا ماليًا يصل إلى 900 مليون يورو هذا العام، ما دفعها إلى تسريع إجراءات التقشف.من أبرز الإجراءات: تقليص عدد الموظفين الإداريين بنحو 200 وظيفة، وخفض 10% من مساحات المكاتب.

حتى خدمات نقل المرضى لم تسلم من المراجعة، بعد أن ارتفعت تكلفتها بنسبة 60%. الهيئة ستعيد تقييم أحقية المرضى في النقل المجاني، مشيرة إلى حالات مثل مراهق مكسور الذراع لا حاجة لنقله بسيارة إسعاف إلى العيادة.

“دكتور ÖGK” بدلًا من “دكتور جوجل”

ضمن الرؤية المستقبلية، تعكف الهيئة على تطوير أداة رقمية تتيح للمواطنين إدخال أعراضهم والحصول على نصائح طبية فورية، بما يتيح للمرضى اتخاذ قرارات أولية دون الحاجة الفورية للطبيب. النظام سيوفر أيضًا إمكانية التحدث مع طبيب عبر الهاتف خلال 30 دقيقة. هذه الخدمة تهدف لتخفيف الضغط على العيادات، ونشر الوعي بالحلول الذاتية البسيطة.

الدواء باهظ.. ولكن يجب توفيره للجميع

رغم سياسة التقشف، شدد ماكدونالد على أهمية الاستثمار في العلاجات الحديثة، خصوصًا لمرضى السرطان والزهايمر، مشيرًا إلى التزام الهيئة بإتاحة هذه العلاجات لجميع المواطنين عبر بطاقة التأمين الصحي. “الناس يعيشون أعمارًا أطول، وعلينا أن نستعد لذلك صحيًا وماليًا”، قال المسؤول.

11 سنة صحية مفقودة مقارنة بدول أوروبا

ووفقًا للإحصاءات، يتمتع المواطن النمساوي بـ63 عامًا فقط من الحياة الصحية، رغم أن متوسط عمره يتجاوز 80 عامًا. ماكدونالد يؤكد أن الوقاية ستصبح محورًا رئيسيًا في المرحلة القادمة، ويدعو المواطنين لتحمّل مسؤولية أكبر في صحتهم.

“نحو نصف الصحة يتحدد بسلوك الإنسان وليس بالوراثة أو ظروفه الاجتماعية”، قال، مشيرًا إلى ضرورة خلق حوافز للفحوصات الوقائية، خاصة في مجال السرطان، حيث لا تتجاوز نسبة فحص القولون المنتظم 2% مقارنة بـ53% لفحوصات سرطان الثدي.

خلاصة:

النظام الصحي في النمسا يدخل عصر “الذكاء الاصطناعي المقشوط”، حيث تلتقي التقنيات الحديثة مع الضرورات الاقتصادية. فهل تنجح هذه الإجراءات في حماية صحة المواطن وتقليل العجز، أم تُنتج نظامًا بيروقراطيًا جديدًا على حساب الرعاية الشخصية؟

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!